ناجي بن جمعة البلوشي
نراجع كل ما بدأناه؛ حيث سيبقى في أنفسنا سؤال قائم مفاده: ماذا نريد من اقتصادنا أن يكون بعد كل هذه السنين؟ سؤال، في ظاهره، بسيط.
لكن وراءه عالم كامل من الأسئلة التي لا يُمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. منها ما الدور الذي نُريده للدولة؟ وأين نُريد للسوق أن يعمل بحرية؟ هل نرى القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا في صناعة النمو، أم مجرد منفذ لسياسات ترسمها الحكومة؟ هل الإنفاق العام وسيلة لبناء الطاقة الإنتاجية، أم أصبح في بعض الأحيان غاية في ذاته؟ هل الدعم جسر نعبر به الأزمات، أم أصبح جزءًا دائمًا من بنية الاقتصاد؟ وهل نبحث عن النمو لأنه يرفع حجم الناتج فقط، أم لأننا نريد اقتصادًا أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل، وأقل اعتمادًا على القرارات الاستثنائية؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، إنها في الحقيقة الأسئلة التي تختبئ خلف كل قرار اقتصادي كبير؛ فحين ترفع الدولة الضرائب، فهي تقول شيئًا عن رؤيتها للعلاقة بين الدولة والنشاط الاقتصادي. وحين تُخفِّضها، تقول شيئًا آخر. حين تُوسِّع الإنفاق، فهي تتبنى تصورًا معينًا عن دور المالية العامة. وحين تنسحب من بعض القطاعات، فهي ترسل رسالة أخرى عن حدود الدولة. وحين تحمي شركة من المنافسة، فهي لا تحمي شركة فحسب؛ بل تتدخل في الطريقة التي ستتوزع بها الموارد داخل الاقتصاد.
ولهذا لم يكن تاريخ الفكر الاقتصادي مجرد تاريخ للنظريات؛ بل كان- في جانب كبير منه- تاريخًا لمحاولات صُنع الثروة، وكيف نمنع السياسات التي تقصد حمايتها من أن تصبح سببًا في إضعافها؟ ورغم كل هذا لم يكن أحد منهم يملك مفتاحًا سحريًا. لكن المدارس الكبرى تركت وراءها شيئًا أكثر قيمة من الوصفات الجاهزة: طريقة في التفكير. وهنا تحديدًا ينبغي أن نتوقف؛ فالمشكلة ليست أن الدولة لا تتبنى مدرسة اقتصادية واحدة، أو أنها تعالج صدماتها الاقتصادية بقرارات معالجة فورية مُستنبَطة من تلك المدارس؛ لأن الدولة الحديثة لا يمكنها- في الغالب- أن تعيش داخل كتاب واحد. وقد تحتاج في أزمة إلى أدوات من مدرسة، وفي مرحلة استقرار إلى أدوات من مدرسة أخرى. وقد يكون من الحكمة أن تتدخل بقرار في قطاع، وأن تترك قطاعًا آخر للمُنافسة، وأن تستخدم السياسة المالية في ظرف، والسياسة النقدية في ظرف آخر.
لكن هذا كله أيضًا يفترض شرطًا أساسيًا: أن تعرف الدولة لماذا تفعل ما تفعل!
أما أن تصبح السياسة الاقتصادية مجموعة من القرارات المتجاورة، كل قرار منها يستجيب لضغط لحظته في وزارةٍ ما؛ فهذه ليست مرونة. هذا هو ما نسميه "فقدان للاتجاه". والفرق بين الاثنين كبير؛ فالمرونة تعني أن تُغيِّر الوسيلة لأنَّ الظروف تغيرت، مع بقاء الهدف واضحًا. أما فقدان الاتجاه فيعني أن يتغير الهدف نفسه كلما تغيرت الظروف؛ فتجد الدولة نفسها، في عام واحد، تتحدث بلغة السوق، ثم بلغة الحماية، ثم بلغة التقشف، ثم بلغة التحفيز، ثم تعود إلى نقطة البداية.
وهنا لا تكون المشكلة في أي فكرة من هذه الأفكار منفردة، إنما المشكلة أنَّ الاقتصاد لا يستطيع أن يَبني توقعاته على سياسة لا يُعرف شكلها غدًا. وهنا تظهر واحدة من أكثر الكلمات أهمية في الاقتصاد، وأقلها ظهورًا في الخطاب العام: ألا وهي الثقة. والثقة ليست شعارًا؛ إنها قرار استثماري لم يُلغَ، ومشروعًا لم يُؤجل، ووظيفة أُنشئت لأن صاحب العمل وثق بأن الطلب سيستمر، وأن مصرفًا مفتوحًا سيمنح تمويلًا، ولأنه استطاع أن يقرأ المستقبل بدرجة معقولة من اليقين، وسيكون بذلك استثماره هو بداية عملية مستمرة لاتخاذ قرارات اليوم بناءً على توقعات الغد، وكذلك لاقتناعه المبصر بذلك المستقبل. لكن هذا لم يحدث للأسف في اقتصادنا، خاصة لو قسناه فعليًا بما يوجد من ظروف مناسبة لانتقال الاستثمارات المتنوعة من الخدمات والمنتجات والصناعات من دولٍ في الاقليم منذ 1990 على أقل تقدير الى اقتصادنا.
فلماذا لم تتحرك رؤوس الأموال الى أسواقنا رغم الحروب والظروف القاسية التي نراها في دول مجاورة لنا؟!
لهذا فإن الدولة لا تحتاج فقط إلى أن تكون قراراتها صحيحة؛ بل تحتاج كذلك إلى أن تكون مفهومة وقابلة للتوقع؛ فقد يتقبَّل المستثمر ضريبة مرتفعة إذا كانت القاعدة واضحة في قرارات أخرى، لا أن يتحكَّم موظفٌ في اختيار شهادات موظفيه العلمية وجنسياتهم وأعمارهم أو مُسمَّياتهم الوظيفية ورُخص سياقتهم وغيرها من التفاصيل!
قد يتقبل المستثمر تكلفة تنظيمية باهظة إذا عرف حدودها، وقد يتحمَّل المخاطرة الطبيعية للمشروع، لكن ما يصعُب عليه هو أن يدخل في استثمار طويل الأجل وهو لا يعرف أي قاعدة ستبقى وأي قاعدة ستتغير!
