ناجي بن جمعة بن سالم البلوشي
لو توقعنا صحيحًا أن هناك اقتصادات لا تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية متجددة ترجع أسبابها لما هو معلوم عند الجميع من ظروف جيوسياسية او جوائح صحية او غيرها من الأزمات التي لا يختلف عليها اثنان، وافترضنا أن معاناتها أعمق من كل تلك الأزمات؛ حيث تكون حقيقتها، في: أزمة الهوية الاقتصادية. فلا هي ليبرالية، ولا هي اشتراكية، ولا هي كينزية، ولا هي نقدية.
إنها ببساطة تقف في منتصف الطريق، تنظر يمينًا فتأخذ فكرة من اقتصاد السوق، وتنظر يسارًا فتأخذ فكرة من الاقتصاد الموجّه، ثم تضيف إليها قرارًا إداريًا طارئًا وربما قرارات من جهات متعددة ليست طارئة، وبعد ذلك تتفاجأ بأن الاقتصاد أصبح خليطًا لا يعرف إلى أين يتجه فتخلق أزمة محلية جديدة مؤدية الى القرارات. لهذا؛ فإن وجود أزمات اقتصادية محلية ليس بالضرورة من تجدد الأزمات الاقتصادية العالمية والتأثر بها أو أننا لا نعرف أسماء ومناهج المدارس الاقتصادية؛ بل في إيجاد أي اقتصاد نريد أن نبني؟ وذلك لان الانتقال الى عدة مدارس مختلفة والحصول على النتائج الفورية لحل مشكلة أو حدث ما، هو ذاته ما يخلق نتائج جديدة يعاني منها الاقتصاد ويجعلنا نبحث في مدرسة أخرى لإيجاد حل جديد لها.
ومنذ ان وضع آدم سميث الأساس لفكرة أن الأسواق والحوافز والمنافسة تستطيع أن تنظم جانبًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي. ثم جاء جون مينارد كينز ليقول إن السوق قد لا يعيد الاقتصاد سريعًا إلى التوظيف الكامل، وإن الدولة تستطيع، خصوصًا أثناء الأزمات، أن تستخدم السياسة المالية لتحريك الطلب والنشاط الاقتصادي.
ثم ظهرت مدارس واتجاهات أخرى، من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد جانب العرض، وصولًا إلى الاقتصاد المؤسسي والاقتصاد السلوكي والمدارس الحديثة التي تنظر إلى الدولة والسوق والحوافز والمؤسسات باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، وحيث إننا نتعامل هنا مع هذه المدارس كأنها سلة أفكار تلتقط منها ما يناسب خطابنا السياسي في كل يوم؛ فنُخفِّض الضرائب عندما نريد إرضاء قطاع الأعمال، ثم نرفعها بطريقة عشوائية عندما تعاني الميزانية. ونتحدث عن السوق والمنافسة، ثم نحمي الشركات الحكومية والضعيفة من المنافسة. نعلن دعم القطاع الخاص، ثم نجعل المستثمر يقضي سنوات في البيروقراطية بسبب منهاج وضعناه في أنظمتنا الالكترونية. نعلن سياسة التوازن المالي، ثم نوسع الإنفاق بلا إصلاح حقيقي. ندعم الأسعار، ثم نشكو من عجز الميزانية. نطبع أو نُوسِّع السيولة عند الاختناق، ثم نتساءل لماذا ترتفع الأسعار.
ولان المقولة الشهيرة تقول إن الاقتصاد التائه أخطر من الاقتصاد الفقير؛ فالدولة الفقيرة يمكن أن تتقدم، والدولة التي تعاني من أزمة مالية يمكن أن تُصلح ماليتها. والدولة التي لديها تضخم يمكنها أن تُعيد بناء مصداقية سياستها النقدية. والدولة التي تعاني من شح الوظائف يمكنها أن تستثمر في الإنتاج والتعليم والبنية الأساسية وتحرير الأسواق. لكن الدولة التي لا تمتلك بوصلة اقتصادية تواجه مشكلة مختلفة تمامًا؛ فيصبح الاقتصاد غرفة طوارئ دائمة وهو الوضع الأخطر؛ حيث تتحول سياساتها الاقتصادية إلى سلسلة من المسكنات على هيئة قرارات.
ولان ثمة لحظة في حياة الدول يصبح فيها الاقتصاد أكثر من مجرد أرقام صاعدة أو هابطة في نشرات الأخبار. اللحظة التي يشعر فيها صانع القرار أن المشكلة لم تعد في نقص الأداة، وإنما في غياب اليد التي تعرف أي أداة تستخدم، ومتى تستخدمها، وإلى أين تريد أن تصل بها.
في تلك اللحظة، قد تكون الموازنات قائمة، والبنوك تعمل، والأسواق مفتوحة، والمشاريع مستمرة، والوزارات تعلن خططها تباعًا، ومع ذلك يبقى الاقتصاد واقفًا في مكانه؛ لا ينهار بما يكفي ليُعلن عن أزمة كبرى، ولا يتقدم بما يكفي ليمنح الناس شعورًا بأن الغد سيكون أفضل.
هذه ربما من أصعب الحالات التي يمكن أن يمُر بها الاقتصاد؛ فالانهيار الواضح يستدعي قرارًا واضحًا. أمَّا الاقتصاد الذي يتعب ببطء، ويتعايش مع اختلالاته، ويعتاد على أزماته، فإنه قد يستهلك سنوات طويلة، قبل أن ندرك أن المشكلة لم تكن في أزمة عابرة، وإنما في الطريق نفسه.
