د. إبراهيم بن سالم السيابي
أثناء متابعة مباريات كأس العالم الأخيرة، كان بعض المشاهدين يتركون المباراة بما فيها من أهداف وفرص وتكتيك، وينشغلون بشيء آخر لا علاقة له كثيرًا بكرة القدم؛ شعر الظهير الإسباني مارك كوكوريلا؛ ذلك الشعر الطويل الكثيف والمنفوش أصبح مادة جاهزة للتعليقات والسخرية، حتى بدا أحيانًا أن شعر اللاعب يحظى باهتمام يفوق ما يقدمه في الملعب. تعليقات كثيرة تناولت مظهره، وكأننا نملك الحق في أن نحاكم الإنسان من تفاصيل صغيرة في شكله، لمجرد أنها لا تشبه ما اعتدناه.
ثم تداول الناس قصة مختلفة عن ذلك الشعر؛ قيل إن كوكوريلا يحرص على إبقائه طويلًا حتى يستطيع طفله المصاب بالتوحد أن يتعرف إليه ويميزه من بين اللاعبين. لا أعرف مدى دقة هذه الرواية، لكن المؤكد أن اللاعب تحدث عن ابنه وتجربته مع التوحد، وظهر في حديث مؤثر لم يستطع خلاله أن يُخفي دموعه. وهنا تغير المشهد كله؛ فالشعر الذي كان بالنسبة للمشاهدين مجرد شعر منفوش وغير مرتب، أصبح وراءه احتمال لقصة إنسانية لا يعرفها من أطلق تعليقاته من أمام شاشة التلفاز. لم يعد الأمر مجرد تسريحة شعر، بل تذكيرًا بسيطًا بأن الإنسان قد يحمل في قلبه قصة لا تظهر للعين.
ولم أكن أظن أن قصة شعر لاعب كرة قدم ستعيدني إلى موقف عشته بنفسي؛ موقف اكتشفت فيه أنني، مثل كثيرين، قد أحكم على إنسان من مشهد عابر، قبل أن أعرف الحكاية التي تقف خلفه.
في إحدى أسفاري إلى الخارج، صادفت رجلًا أعرفه في أحد المحال، فتبادلنا حديثًا قصيرًا، ومن خلال الحديث عرفت أنه يقضي معظم وقته هنا، وأنه شبه مقيم في البلاد. تكوّن لديّ انطباع سلبي عن الأمر، وربما كان ذلك الانطباع كافيًا لأضع الرجل في صورة لم تكن مُنصفة له، دون أن أعرف أن في حياته جانبًا آخر لم يظهر لي في تلك اللحظة.
ثم قال لي، ببساطة، إنه سيعود غدًا إلى الوطن. ومضى حديثنا في تفاصيل السفر، حتى عرفت أن والدته ستدخل المستشفى لإجراء عملية بسيطة، وأنه يريد أن يكون إلى جوارها.
في تلك اللحظة تغير المشهد كله في عيني. الرجل الذي كنت قد وضعت له في ذهني صورة سلبية، ظهر لي فجأة من زاوية أخرى تمامًا؛ ابن يرى أن مكانه إلى جوار أمه حين تحتاج إليه. لم تمنعه مشاغله ولا المسافة من أن يترك كل شيء ويعود إليها. وكان عائدًا في وقت من العام يسافر فيه الناس عادة هربًا من حرارة الصيف، يحمل لأمه هدايا اختارها لها، لتجد عند عودته ما يفرح قلبها.
في الحقيقة، لم أشعر أنني اكتشفت شيئًا عن الرجل بقدر ما اكتشفت شيئًا عن نفسي. أدركت أنني رأيت جانبًا منه، وبنيت عليه حكمًا، بينما كان في داخله جانب آخر لم يظهر لي إلا عرضًا، وكان أجمل بكثير مما ظننت. وربما كان الدرس الأكبر في ذلك الموقف أنني لم أكن مخطئًا فقط لأنني استعجلت الحكم، وإنما لأنني رأيت ما لم يعجبني، واكتفيت به، ولم أفكر أن للإنسان وجهًا آخر قد لا يظهر لنا في لقاء عابر.
وهنا تكمن المشكلة؛ أننا أحيانًا نلتقط من الإنسان ما لا يعجبنا، ثم نتركه يختصر لنا الإنسان كله. نسمع كلمة، أو نرى موقفًا، أو نلمح تصرفًا، فنمنحه تفسيرًا من عندنا، ثم نمضي وكأننا عرفنا الحقيقة. بينما قد يكون وراء الكلمة ما لا نعرفه، ووراء التصرف حكاية لم تصل إلينا.
وربما كانت أجمل الأشياء في الإنسان هي تلك التي لا تظهر للناس؛ خوف يخفيه على من يحب، حنين لا يتحدث عنه، دعوة صامتة لوالديه، أو صدقة عنهما، أو معروف يفعله ولا ينتظر عليه كلمة شكر. أشياء صغيرة لا تراها العين، لكنها قد تقول عن الإنسان أكثر مما تقوله مواقفه الظاهرة.
نحن لا نلتقي الناس إلا في لحظات عابرة، ولذلك ربما لا يكون المطلوب أن نعرف ما في قلوبهم، فهذا ليس لنا، وإنما أن نكون أكثر تواضعًا أمام ما لا نعرفه. فإذا غابت عنا الحقيقة، فلماذا نختار لها أسوأ تفسير؟ ولماذا لا نترك في ظننا مساحة تقول: ربما هناك شيء لم أرَه؟
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني الآن أكثر حذرًا من الصورة الأولى التي نصنعها عن الناس؛ فالصورة سريعة، أما الإنسان فأعمق منها، والقلب يحمل أشياء لا تظهر في النظرة الأولى، وربما لا تظهر أبدًا.
لذلك.. لا أقول إنَّ علينا أن نحسن الظن دائمًا، ولا أن نبرر الأخطاء، وإنما أن نترك للإنسان مساحة صغيرة قبل أن نحكم عليه؛ مساحة لاحتمال أن نكون قد رأينا المشهد ولم نرَ الحكاية، وأن يكون في قلبه شيء لم يصل إلينا، وربما كان أجمل بكثير مما ظننا.
وربما لهذا علينا أن نكون أهدأ قليلًا في أحكامنا على الناس. فنحن نرى الوجوه والكلمات والتصرفات، أما ما تخفيه الصدور من خوف وحب ووفاء وحنين، فليس لنا إليه سبيل. وقد نكتشف بعد زمن أن الإنسان الذي ظنناه شيئًا كان يحمل في داخله شيئًا آخر تمامًا.
قد لا نملك أن نعرف ما في قلب إنسان، ولا نحتاج إلى ذلك. يكفينا أن نتذكر أن ما نراه ليس كل شيء، وأن نترك في أحكامنا مكانًا للعذر، وفي نظرتنا إلى الناس مساحة للإنصاف والرحمة . فما في القلوب لا يعلمه إلا علّام الغيوب.
