محمد بن أنور البلوشي **
كنتُ جالسًا في محل الحلاقة، وكان الصمت يملأ المكان. لا حديث، ولا مذياع، ولا حتى أغنية قديمة تواسي انتظار الزبائن. التفتُّ إلى الحلاق وقلت له مبتسمًا: "أما عندك أغنية عن الحب؟" ابتسم، وضغط زرًا صغيرًا، فانساب اللحن في المكان، وكأن بابًا قديمًا في الذاكرة قد فُتح فجأة. لم أعد أرى المرآة أمامي، بل رأيت شارع القرم، ورأيت البحر، ورأيت سنوات الثمانينيات والتسعينيات تمشي أمامي بهدوء. عندها أدركت أن بعض الأغاني لا تُسمع بالأذن، بل بالقلب.
بعد أيام، كنت أقود سيارتي وإلى جواري زوجتي. وما إن وصلنا إلى شارع القرم حتى قلت لها: "أتدرين؟ أن هذا المكان يسمى شارع الحب". ابتسمتْ، ثم نظرت إليَّ نظرة تحمل شيئًا من الفضول وشيئًا من الغيرة الجميلة، وقالت: "وهل أحببت في حياتك؟" ضحكت وقلت: "قبل زواجك... نعم." ابتسمت أكثر وقالت: "إذن حدثني". قلت لها: "لن أحدثك عن الأشخاص؛ فالأشخاص يرحلون، أما الأماكن فلا تزال تحفظ أسرارهم."
ذلك الشارع لم يكن يومًا مجرد طريق يصل بين مكانين، بل كان يصل بين قلبين. كان شاطئ القرم في الثمانينيات أكثر هدوءًا، وكانت الأمواج تعرف أسماء روادها، وكانت نسمات البحر تحمل رسائل لا يقرأها إلا العشاق. كان الغروب لوحةً لا يرسمها إلا الله، وكانت العائلات تمشي مطمئنة، والأطفال يركضون خلف الموج، بينما يجلس بعض الشباب على الصخور يراقبون البحر أكثر مما يراقبون الناس، لأن البحر كان آنذاك أكثر صدقًا من كثير من الوجوه.
أما دوار القرم، فلم يكن مجرد دوار لتنظيم حركة السيارات، بل كان محطةً تدور فيها الحكايات أيضًا. كم من عاشق مرَّ من هناك وهو يحفظ أول كلمة قالتها له حبيبته، وكم من عاشقة انتظرت سيارة تعرفها من صوت محركها قبل أن تراها بعينيها. كان الزمن في ذلك المكان يمشي ببطء، وكأنه يخشى أن يوقظ الأحلام.
وفي التسعينيات، كانت شوارع الخوض الشعبية تمتلئ بالحياة بعد الغروب، وكان لشوارع مطرح القديمة، بأزقتها الحجرية ورائحة البحر والأسواق، سحرها الخاص. كانت لكل منطقة حكاياتها، لكن شارع القرم ظل مختلفًا. كان أكثر شاعرية، وأكثر هدوءًا، وكأنه خُلق ليكون موعدًا دائمًا بين البحر والقلب. لم يكن الناس يلتقطون عشرات الصور كما نفعل اليوم، بل كانوا يلتقطون الذكريات، ولذلك بقيت الذكريات أجمل من الصور.
سألتني زوجتي: "ولماذا تسميه شارع الحب؟" قلت لها: "لأن الحب لا يحتاج إلى لافتة، بل إلى مكان يشعر فيه الإنسان أن قلبه صار أخف من الهواء."
كلما مررتُ بذلك الشارع، تذكرت الأغنيات التي كانت ترافق أعمارنا. أسمع كاظم الساهر وهو يمنح قصائد نزار قباني روحًا جديدة في "زيديني عشقًا" و"مدرسة الحب"، فأشعر أن الكلمات لا تُغنى، بل تُعاش. ثم تأتي أم كلثوم بصوتها الخالد في "أنت عمري"، فأرى البحر وكأنه يردد معها: "رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا"، وبعدها يحضر عبد الحليم حافظ في "قارئة الفنجان "و "رسالة من تحت الماء"، وهما أيضًا من روائع شعر نزار قباني، فأدرك أن الحب كان دائمًا يجد طريقه إلى الشعر قبل أن يجد طريقه إلى القلوب.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يبقى قيس يبحث عن ليلى حتى صار اسماهما مثل بيت شعر لا ينتهي، وأن يظل جميل يكتب لبثينة وكأنه يكتب عمره كله، وأن يقف روميو وجولييت شاهدين على أن الحب قد يخسر معركة، لكنه لا يخسر خلوده. فالحب الحقيقي لا يقاس بطول اللقاء، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه في الروح.
قالت زوجتي بعد لحظة صمت: "وهل انتهت كل تلك الحكايات؟" قلت لها: "الحكايات لا تنتهي، وإنما يتغير أبطالها." فالحب في بدايته رسالة، وفي منتصفه انتظار، وفي نهايته رحمة وسكينة أو .....و أجمل ما في الحب أنه لا يبقى أسير الورود والكلمات، بل يتحول مع الزمن إلى يد تمسك يدًا أخرى عند التعب، وإلى قلب يطمئن قلبًا آخر عند الخوف.
لقد تغيرت المدن، واتسعت الطرق، وكثرت الأبراج، وأصبحت الهواتف تحفظ آلاف الصور، لكنها لا تستطيع أن تحفظ دفء اللحظة كما كان يحفظها القلب. صرنا نرسل رموز القلوب في ثوانٍ، لكننا ننسى أحيانًا أن نهدي لمن نحب ساعةً من الوقت، أو نزهةً على البحر، أو حديثًا طويلًا بلا استعجال. ربما لهذا السبب نفتقد اليوم ما كان يملكه جيل الأمس؛ لم يكن لديهم كل وسائل التواصل، لكنهم كانوا يعرفون كيف يتواصلون.
وأنا أغادر شارع القرم، نظرت إلى البحر مرةً أخرى، ثم إلى زوجتي، وقلت لها: "الخرائط لا تكتب اسم شارع الحب، لكنها تعرف أين يقع. إنه ليس في القرم وحدها، بل في كل مكان مرَّ عليه عاشقان بصدق، وفي كل مقعد شهد وعدًا جميلًا، وفي كل طريق سار فيه قلبان نحو مستقبل واحد.
ومع ذلك، سيبقى شارع القرم بالنسبة لي أجمل شارع للحب، لأن البحر هناك لا يزال يحرس الذكريات، ولأن الأغاني القديمة لا تزال تعرف طريقها إليه، ولأن بعض الأماكن لا تسكنها السيارات... بل تسكنها الأرواح التي أحبت يومًا، وما زالت تؤمن أن الحب، مهما تغيّر الزمان، يبقى أجمل عنوان للحياة.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
