العائد من الموت

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

قرأتُ ذات مرة عن رجل عاد من الموت؛ فقد أصيب بنوبة قلبية مفاجئة، وحاول الأطباء إنعاشه، لكن قلبه توقف، وفشلت محاولات إعادته إلى الحياة. وبعد محاولات عدة، أخبر الأطباء أهله بأنه فارق الحياة، وبدأت الأسرة تستعد لنقل جثمانه وتكفينه ودفنه في مثواه الأخير.

كان الرجل يسمع ما يدور حوله؛ أصوات الأطباء، وكلمات أهله، ثم سمع بكاءهم من حوله، فعرف أنهم أيقنوا برحيله، بينما كان هو ما يزال يسمعهم ولا يستطيع أن يخبرهم بأنه ما زال هناك. ومع الوقت، بدأ هو الآخر يستسلم لما يحدث، وكأنَّ خبر موته وصل إليه هو أيضًا، ولم يعد أمامه إلا أن يترك الدنيا بما فيها.

وعندما أدرك أنه لن يعود، مرّت به لحظة خوف ثقيلة؛ تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن كل ما كان يظن أن لديه متسعًا من الوقت للقيام به، لم يعد أمامه وقت. عندها أخذت ذكرياته تعود إليه واحدة تلو الأخرى. لم تأته مرتبة، وإنما جاءت كما تأتي الأشياء التي نكتشف قيمتها متأخرين. رأى بيته وأسرته، وتذكر عمله وما جمعه طوال سنوات، والأشياء التي ظل يؤجلها إلى وقت يجد فيه متسعًا. أشياء كثيرة ظل يعتقد أنها ستبقى معه إلى آخر الطريق، فإذا بها الآن تبدو بعيدة؛ البيت سيبقى، وما جمعه سيبقى، والعمل الذي كان يعمل به سيستمر من بعده، أما هو فقد انتهى نصيبه من كل هذا.

ولم تستمر هذه الفكرة طويلًا، فقد انتقلت ذاكرته من الأشياء إلى أصحابها. تذكر زوجته وأبناءه ووالديه وأقاربه وأصدقاءه، وتذكر معهم أشياء لم يكن يظن أنها ستؤلمه يومًا؛ زيارات كان يؤجلها، وسؤالًا كان يستطيع أن يطمئن به على والديه، وقريبًا طال انقطاعه عنه، وصديقًا طال خصامه معه، وكلمة كان يمكن أن يقولها بطريقة ألطف، وحبًّا ظنَّ أن من يحبهم يعرفونه دون أن يقوله، وشكرًا تأخر في قوله لمن يستحقه. ومع كل وجه كان يعود إليه، كان يكتشف أن المسألة لم تكن في الأشياء التي امتلكها، وإنما في أشياء كثيرة كان يستطيع أن يمنحها أو يقوم بها ولم يفعل.

والأغرب من ذلك كله أنه لم يتذكر الأشياء الجميلة التي فعلها. لم يتذكر كم مرة ساعد إنسانًا، أو أسعد شخصًا، أو وقف إلى جانب أحد. كان ذهنه في تلك اللحظات يذهب إلى ما فاته؛ إلى أشياء كان يظن دائمًا أن أمامه وقتًا لها. زيارة يؤجلها، وقريبًا كان يمكن أن يسأل عنه، وكلمة طيبة كان يستطيع أن يقولها، ووقتًا قليلًا كان يمكن أن يمنحه لمن يحب. أشياء لا تبدو كبيرة ونحن نعيشها، لكنها بدت له في تلك اللحظة أكبر مما تخيل. كانت حسرته على خير كان يستطيع أن يفعله ولم يفعله، وعلى لحظات كان يمكن أن يمنحها لمن يحب قبل أن يظن أن الوقت انتهى.

ولهذا، وهو يظن أن حياته انتهت، لم يتمنَّ مالًا أكثر ولا بيتًا أكبر، ولم يبحث عن شيء جديد يضيفه إلى ما تركه وراءه. كان يتمنى فقط أن يُمنح وقتًا آخر؛ وقتًا لا ليجمع فيه المزيد، وإنما ليقول ما تأخر في قوله، ويمنح من يحبهم شيئًا من حضوره، ويعود إلى أشياء كان يظن أن تأجيلها لا يضر. وفي تلك اللحظة، بدا له الوقت نفسه أثمن من كل ما جمعه في حياته.

وبينما كان غارقًا في تلك الذكريات، وبينما كان أهله يستعدون لنقل جثمانه، لاحظ أحدهم حركة خافتة لم يتوقعها أحد، فسارع إلى استدعاء الطبيب. جاء الطبيب، وفحصه، فإذا بنبض ضعيف يعود إلى قلبه. في لحظات، عاد الأطباء إلى محاولات الإنعاش، وبدأ القلب يستجيب شيئًا فشيئًا، حتى عاد النبض، وعادت معه الحياة إلى الرجل الذي كان الجميع قد ودّعه قبل قليل.

لا نعرف ماذا فعل الرجل بعد ذلك، وربما لا نحتاج إلى أن نعرف. المهم أنه عاد إلى بيته وأهله، وعندما فتح عينيه، وجد وجوهًا ظن في لحظة من اللحظات أنه لن يراها مرة أخرى. كل شيء كان في مكانه، لكنه لم يعد يراه كما كان. وعاد إلى أيامه التي كان يظن أنها انتهت، لكن شيئًا في داخله لم يعد كما كان.

ولعلنا لن نستطيع أن نعود من الموت كصاحبنا، لكن ما يجعل حكايته أقرب إلينا مما نظن، أننا نعيش أحيانًا بالطريقة نفسها؛ نؤجل زيارة، ومكالمة، ولقاء، ومصالحة، وبوحًا لمن نحب، ونظن دائمًا أن الغد قريب. ثم تمضي الأيام على طريقتها؛ يكبر الأبناء، ويتعب الآباء، ويرحلون، وتتغير الوجوه، وتصبح بعض المسافات أطول مما كنا نظن، ونكتشف أحيانًا أن حبًّا كبيرًا كان في قلوبنا، لم يجد طريقه كما ينبغي إلى من نحب. ونكتشف أن الحياة لم تكن فقط في الأشياء التي كنا نركض خلفها، وإنما أيضًا في تلك التفاصيل التي مررنا بها كل يوم ولم نمنحها ما تستحق.

وربما كانت أجمل الأشياء التي نبحث عنها في الحياة، هي تلك التي كانت إلى جوارنا طوال الوقت، ولم نلتفت إليها بما يكفي.

ولعل أجمل ما في حكاية العائد من الموت، أنه لم يعد ليبدأ حياة أخرى... وإنما عاد ليعرف قيمة الحياة التي كانت بين يديه.

الأكثر قراءة

z