د. محمد بن عوض المشيخي **
نعيشُ في عالمٍ تموج فيه الأفكار المُضلِّلة والأخبار الملوَّنة والتحليلات التي تُعبِّر عن نفوس خبيثة تفتقدُ إلى المصداقية وتغيب عنها الحقيقة الواضحة للأعين وضوح الشمس المُشرقة، ولعل ما تقدمه هذه الأيام القنوات الفضائية العربية من ساعات طويلة من التفسيرات الخاطئة وغير المنطقية للأحداث، وخاصة ما يحدث في مضيق هرمز بين أمريكا وايران من صراع دامٍ- وعلاقة ذلك بسلطنة عُمان، التي كان قدرها وغايتها هو الثبات على مواقفها الراسخة والقائمة على المحافظة على حرية الملاحة في هذا الممر المائي، الذي يعد عصب الحياة للتجارة الدولية- لهو خير دليل على ما يحدث من تفسير رخيص لبعض من يطلق عليهم بـ"كبير الباحثين" في قنوات التضليل الإعلامي وأخواتها الذين ينطلقون من أجندة خاصة ومصالح شخصية، تُفقِد الثقة بتلك المنابر التي اعتقدنا لسنوات بأنها تحترم المشاهد الذي لا يخفى عليه اليوم لا شاردة ولا واردة، ويعرف الحقيقة أكثر من أولئك الذين يزعمون بأنهم محللون محايدون.
لكن غاب عنهم جميعًا أن هناك من قرأ التاريخ والجغرافيا واستوعبهما بكل تفاصيلهما، ويدرك كل الحقيقة عن جغرافية عُمان وحدودها التاريخية والتي تعد أقدم كيان سياسي في الإقليم، وقبل ذلك كله الاتفاقيات التي وقعت عبر العقود بينها وبين جيرانها.
لا شك أن سلطنة عُمان من الدول القلائل في هذا العالم التي تعتمد على قيم ومبادئ ثابتة لا تحيد عنها، لأنها تُعبِّر عن واقع وانسجام الشعب العُماني وقيادته الحكيمة التي بنت سياستها منذ الأزل على حُسن الجوار واحترام القانون الدولي وقبل ذلك كله التعايش السلمي بين مختلف الشعوب والاجناس؛ منطلقة من قيم التسامح ونبذ العنف والإرهاب؛ وعدم التدخل في شؤون الغير. كما نجحت القيادة العُمانية منذ سنوات طويلة في العمل كصمام أمان لوقف الحروب وحل النزاعات بين الدول؛ حيث ينظر العالم من أقصاه إلى أقصاه على أنها الشريك النزيه والوسيط المتزن الذي لا غنى عنه لدى جميع الأطراف؛ فعُمان هي الملاذ الآمن للجميع من أراد السلام بعيدا عن تجارة الحروب والسيطرة على الاخرين.
صحيحٌ أن كثيرًا من المنابر الإعلامية المحترمة أنصفت السلطنة وعبَّرت عن واقع ما يدور في هذا المضيق وعكست بكل وضوح النوايا العُمانية وجهودها الخيرة للمحافظة على السلام القائم على العدل والرجوع إلى الاتفاقيات الدولية التي تنظم المرور الآمن في هرمز قبل العدوان الأمريكي الإسرائيلي في فبراير الماضي.
لكن يبدو لي أن غياب الأصوات العُمانية عن الساحة الإعلامية في القنوات ذات التأثير، قد فتح الباب على مصراعيه أمام المنافقين للتطاول على بلدنا، وتقديم أنصاف الحقائق للجمهور، وخاصة ما يُعرف بالرأي العام المُنقاد في العالم العربي.
ووسط هذا التضليل الإعلامي والتخبط غير المسبوق من جيوش المحللين للشؤون العامة في المنصات الإعلامية الذين في حقيقة الأمر ينظرون بعين واحدة فقط وهي العين التي جنَّدتهم ولقنتهم ما يقوله للملأ في غياب واضح لمعايير الإعلام المتمثلة في الصدق والموضوعية والتوازن، فإننا ندعو من هذه الزاوية الأسبوعية من يتولى صناعة القرار في بلدنا إلى الإسراع بتأسيس قناة فضائية عُمانية ذات طابع دولي، لكونها أصبحت من الأولويات في المرحلة المقبلة؛ لكي تُعبِّر عن توجه السلطنة وسياستها في المجالات الإعلامية والسياسية والاقتصادية.
هذا المشروع الطموح إذا ما رأى النور في قادم الوقت، يحتاج إلى أركان ثلاثية الابعاد؛ وهي: تخصيص الموارد المالية الكافية، وجذب الكوادر الإعلامية التي تتميز بالإبداع والمهارات العالية في إعداد الرسالة الإعلامية التي تخترق القلوب والعقول، بينما يتمثل البعد الثالث في الحرية المسؤولة؛ فلا يمكن لأي مشروع إعلامي واعد أن يُحقِّق غاية المشاهدين بدون إرادة سياسية تصدر من القيادة العُليا في أي بلدٍ في العالم وتسمح بسقف معقول من حرية الرأي، وذلك لتناول مختلف القضايا التي تهم الناس بالنقد البنَّاء.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
