نصيبي مع الأقدار!

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

نحيا في هذه الدنيا التي قدمنا إليها دون أن يكون لنا فيها قرار واضح وتصور شامل عن المستقبل الذي يبدو للكثير منَّا غامضاً؛ بل الأقدار الإلهية هي التي قادتنا للقدوم إلى هذا العالم الذي نترعرع بين جنباته ونعيش على ضفافه كالضيوف لفترة زمنية معينة، ثم نرحل دون أن نعرف يوم مغادرتنا النهائية للحياة؛ فهي بالفعل عابرة وقصيرة؛ فالكل يطمح أن يطول به العمر لسنين وأعوام عديدة على الرغم من التحديات والعقبات التي تواجه الجميع؛ وفي هذا المقام أتذكر بيتاً من الشعر لفيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري الذي يقول "تعب كلها الحياة فما أعجب.. إلا من راغب في ازدياد". 

صحيحٌ أن هناك العديد من الأمور الشخصية تُشكِّل أهمية كبيرة لمستقبلنا؛ ولكنها تكون محجوبة عنَّا وهي في علم الغيب؛ كالفترة الزمنية التي يفترض أن نحيا فيها والتي تمتد بين الولادة والرحيل إلى عالم البرزخ؛ وكذلك أرزاقنا ومستقبلنا الوظيفي كالأسرة الافتراضية التي نطمح أن نكونها في قادم الأيام وغير ذلك من الأمور التي نجهلها عن الغد الذي يبدو أنه ملبد بالغيوم؛ وماذا سوف يحصل في قادم الأيام لكوكب الأرض الذي يحتضن أكثر من 8 مليارات من البشر من كوارث طبيعية وحروب ونكسات قد تحصد الملايين كما حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية.

يقول الله تعالى ﴿‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌عِنْدَهُ ‌عِلْمُ ‌السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34] ويحدث ذلك ربما رحمة بنا ولحكمة يعرفها خالق العباد؛ فالله هو المدبر أمور الناس الذي قضى  وكتب كل الأحداث والمقادير بحكمته وعلمه الأزلي؛ فالقدر هو علم الله تعالى بما تكون عليه جميع المخلوقات في المستقبل ولا يرد رد القضاء والقدر إلا التسبيح؛ فعند ما يحجب الخالق ماذا ينتظرنا فتلك رحمة من الله وسر ينفرد به جل جلاله. فالحقيقة التي أكدها من سبقنا بأن الاقدار تولد مع خيوط الفجر كل يوم؛ فصلاة الجماعة في المسجد ثم السير والحركة والتنقل في طلب الرزق هو واحدا من اسرار هذا الكون الذي جعل لكل شيء سببا لتحقيق غايات الدنيا والآخرة. 

وهناك من الفلاسفة والعلماء الذين اعتقدوا بأن الإنسان في هذه الحياة مُسيَّر في ولادته وموته فقط؛ بينما هو مُخيَّر في الأمور الأخرى التي تحدث بينهما.

السؤال الكبير المطروح منذ قرون طويلة والذي يحتدم حوله النقاش والتحليل؛ بل حتى الاختلاف بين العلماء في كثير من الأحيان هو: هل الانسان مُخيَّر أم مُسيَّر؟

فإذا كان مُسيَّرًا فقط؛ فيقول منطق العامة من الجمهور: لماذا يحاسب على الأفعال المقدرة والمسجلة مسبقًا والتي لا ذنب له فيها مثلًا؟

ويمكن اقتباس ما قاله المُفسِّرون الذين حددوا ما يكون فيه الانسان مُخيَّرًا كالأفعال التي يسلكها من خير وشر في الدنيا ثم يحاسب على ما اغترفه من السيئات وكذلك يُكافَأ على الحسنات وأعمال الخير التي بذلها الإنسان في الدنيا. كما أن الطاعة أو المعصية من الأمور المهمة التي تحدد علاقتنا بالخالق؛ فالعبادات والتوحيد والأعمال الصالحة من أجمل الأقدار وأفضلها؛ بينما عند ما يجنح الواحد منا إلى المعاصي؛ ويتمرد وتكثر في سجله الذنوب التي يحاسب عليها يوم الحساب فهو قد اتخذ قراره وقدره بنفسه. وعلى العكس من ذلك هناك السعي والعمل والكدح والبحث في دروب الحياة من جل توفير حياة كريمة لنفسه ولمن حوله من الناس؛ فهو يكون من الموفقين لطريق الخير.

أما على الجانب الآخر، فالأقدار تولد مبكرًا في ملفنا وهي القرارات الغيبية المدونة مسبقًا في سجل الشخص كالخلقة والشكل والصفات التي منحها الله للإنسان من حيث المظهر والجسم والطول واللون والصحبة والوالدين؛ كذلك النوائب كالمرض والإعاقات والحوادث التي قد يتعرض لها الإنسان وتسبب له عاهة وعجزا؛ كما أن أقدارنا في الحياة تعد نقطة أساسية ومحورية؛ فالإنسان لا يختار متى يُولد؛ ولا أين؛ أو متى ينتقل إلى العالم الآخر. كما أن ما يحصل عليه من الأموال والمناصب يشكل قضية خلافية من حيث الأحقية والجدارة.

وفي الختام.. القناعة والتكيف مع المقسوم للإنسان في هذه الدنيا التي خلقنا فيها لكي نمثل أدوارا مختلفة أقرب إلى أدوار الممثلين على المسرح؛ لهو شيء جدير بالتمعن والتفكير المنطقي؛ فمعظم الناس يعتقدون بأن الأقدار لم تنصفهم وأن هناك من يمكن النظر إليهم بأنهم متآمرون عليهم؛ ولكن الحقيقة الدامغة التي لا أحد يرغب بالاعتراف بها هي "ما أصابك من خير فهو من الله وما أصابك من شر فهو من نفسك" والأهم من ذلك كله هو الاعتراف بالقدر خيره وشره الذي يعد واحدا من أهم أركان الإيمان الستة المعروفة.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z