من يحمي المال العام؟!

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

كلنا نرفع شعارات النزاهة والأمانة والشفافية والمحاسبة وتطبيق المبدأ المعروف "من أين لك هذا؟"، لكن في حقيقة الأمر تلك القيم النبيلة تغيب عن كثير من الناس عندما يجدون فرصة سانحة للثراء السريع والسيطرة على المال العام الذي يعتقد البعض زورًا وبهتانًا أنه حق وغنيمة ويجب ألا ينتظر كثيرًا لمن استطاع إليه سبيل!

النفس البشرية قد تكون أمَّارة بالسوء؛ فغرائز حُب التملك والاستحواذ على الأموال بأي طريقة كانت سواء بالحلال أو حتى بالحرام طبيعة بني آدم، إلّا من رحم ربي. ومن المؤسف حقًا أن تتحول دول كثيرة في عالمنا إلى أنظمة فاشلة يُعشِّش فيها الفساد الذي يأكل الأخضر واليابس؛ وذلك بسبب نهب ثروات الأوطان ونقلها إلى البنوك الأوروبية أو الأمريكية بأسماء المسؤولين المُتنفِّذين أو أبنائهم وذلك للإفلات من العقاب في المستقبل. صحيحٌ أن الظلم لا يدوم ولا بُد لليل الطويل من نهاية سعيدة؛ بأن تُشرق في نهايته شمس الحقيقة التي تستعيد تلك الثروات الوطنية المنهوبة يومًا ما وترجع لأصحابها الحقيقيين من أبناء المجتمع المستحقين.

وإذا اعترفنا بأن الفساد المالي والإداري هو مرض فتّاك وقاتل وعابر للحدود، وإن كانت الدول النامية الأكثر تضررًا وفسادًا خاصة الدول الأفريقية والعربية، إلّا أن هناك من الحكومات التي أدركت أهمية محاربة الفساد بمختلف أنواعه المالي والإداري والمحافظة على المال العام. والدافع لذلك التوجه هو براجماتي بحت؛ حيث أكدت جميع التجارب في العالم على أن حماية الفاسدين وهم عادة قلة من المتنفذين سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى الانهيار الكامل للنظام.

وتأتي سلطنة عُمان في مقدمة دول الجنوب التي بالفعل وضعت حدًا لهذا المرض السرطاني الذي يُدمِّر المجتمعات من الداخل. ويمكن التعرُّف على ذلك عن قرب من خلال الجهود الجبارة التي يقوم بها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة طوال العام؛ ففي موسم خريف ظفار هذا العام 2026، وامتدادًا لمبادرات خلال الاعوام الماضية، يُطلق هذا الجهاز الوطني مبادرة رائعة بكل المقاييس بعنوان "بنزاهتنا نرتقي"، وتهدف بالدرجة الأولى إلى توعية النشء في المراحل الأولى من الدراسة في التعليم العام بأهمية اتخاذ القرارات المصيرية التي تنطلق من قيم النزاهة والأمانة والمحافظة على المال العام في المستقبل عن طريق المحاكاة والتجربة المباشرة لعرض القيم وغرسها بأسلوب متقدم وجاذب في عدة ميادين كالحدائق العامة، وكذلك في القاعات المتخصصة ولمدة أسبوع كامل. وهناك أساليب مبتكرة تُستخدم لأول مرة بهدف خلق ثقافة مرتبطة بالجيل الصاعد باستخدام التكنولوجيا المتطورة في توصيل الرسائل والمضامين التي يُفترض أن تكون حاضرة في المستقبل، عندما يتولى هؤلاء راية الوطن، ويخدمون بلدهم بأفضل الطرق والأساليب الحديثة، وذلك بهدف رفع شأن الغبيراء في المحافل الدولية، ولكي تتربع على قمة المراكز الأولى في محاربة الفساد.

هذه واحدة من غايات القيادة العُمانية الحكيمة التي وضعت التشريعات اللازمة لمحاصرة الفساد وكشفه عبر التقارير الدورية التي تُرفع للحكومة والمجالس النيابية والمجتمع. والأهم من ذلك كله هو منح جهاز الرقابة السلطات اللازمة للوصول إلى بؤر الفساد وكشفها لجلالة السلطان- يحفظه الله- والاهم من ذلك كله استقلالية رئيس الجهاز وجميع منتسبيه؛ بحيث أنهم لا يتبعون السلطة التنفيذية في البلاد، لكي يحكموا سيطرتهم على مراقبة المسؤولين وصُنَّاع القرار الذين يوقعون الصفقات والعقود في القطاعين العسكري والمدني وكذلك الشركات الحكومية؛ حيث نجحت الكوادر التي تعمل في الجهاز في الكشف عن الكثير من المخالفات المالية والإدارية طوال السنوات القليلة الماضية.

وفي الختام.. لقد حان الوقت لبعض الوزارات والأجهزة المدنية التي جرى استثناؤها من مراقبة ومساءلة جهاز الرقابة، من الانضمام إلى الركب؛ فلا يوجد ما يُبرِّر منح الحصانة الرقابية لأي جهةٍ كانت؛ إذ يجب أن لا يكون أحدٌ فوق القانون في هذا البلد الذي نفتخر بالانتماء إليه ونفخر بإنجازاته في كل المجالات في عهد هذه النهضة العُمانية المتجددة.. وكما قيل في سابق الأزمان "العدلُ أساسُ المُلك".

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z