صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
منذ زمن بعيد والانسان يتخذ من الرمز ما يمنحه الأمل ويبث فيه روح التفاؤل، ويذكره بأن القادم أجمل، وأن الحظ قد يطرق بابه من حيث لا يحتسب، ومن بين تلك الرموز التي يتطلع إليها فئة من الناس هي حدوة الحصان، والتي تحوَّلت مع مرور الايام من قطعة حديد معقوفة تثبت على حافر الحصان الى رمز للتفاؤل والحظ السعيد!
ويُروَى أنَّ حدادًا يعمل في صناعة الحدوات وإصلاحها، بالإضافة إلى اعمال الحدادة المختلفة، أقام ورشته في مكان مُقفر على مسار الخيول في أسفارها، وفي أحد الأيام ظهر له حصان دون فارسه، وبخبرته بالخيول أدرك أن من أتاه ليس إلّا شيطانًا مُتلبِّسًا بهيئة حصان، وقد جاء للإضرار به باحثًا عن ضحية يقتنصها.
فكَتَمَ الحداد خوفه وتظاهر بالابتهاج بمقدمه، وأخذ يُنظِّف الغُبار عن رقبته وظهره وأقدامه، مُبديًا العناية به. وفي غفلة منه، باغته بتقييده بسلاسل حديدية ثقيلة وثبت الحدوات في حوافره.
فتوسَّل الشيطان إليه لأن يُطلق سراحه، واعدًا إيَّاه بتنفيذ ما يطلبه؛ فطلب منه أن ألا يضُر شخصًا أو بيتًا أو موقعًا تُثبَّت فيه حدوة حصان. فوافق الشيطان على ذلك، فخلَّصه الحداد من قيده مُطلِقًا سراحه.
وهكذا ارتبطت حدوة الحصان منذ ذلك الزمان بالحماية وإبعاد الشر، وجلب الحظ، والتفاؤل والخير، لأن الشيطان وأعوانه لا يقتربون من موضع وجودها.
ويعتقد أن تثبيتها بزاوتيها المنفرجتين إلى الأعلى كوعاء يمنح صاحبها الحظ السعيد؛ فتتيسر أموره ويكون التوفيق حليفه. وإذا ثُبِّتَت الحدوة إلى الأسفل فسينال أيضًا من هو تحتها حظه من الطالع السعيد.
وليس غريبًا أن يتعلق الإنسان بالرموز؛ فهو بطبيعته يبحث لوجوده العابر الضئيل في هذا الكون الشاسع عن معنى يؤمن به ويُولِيه أمره، ليُخفِّف عنه ويشُد من أزره، ويمنحه شيئًا من الطمأنينة والأمل، حين يجد نفسه أمام معوقات وتحديات تتجاوز قدرته المحدودة على التحكم بها، والعجز عن فهم أسباب حدوثها له، وما يترتَّب عليها من نتائج يصعب عليه تفاديها أو تغييرها.
ومن هذه الرموز آلهة متنوعة تحظى بالعبادة والتقديس من اتباعها، ورموز تتمثل في أشخاص يتطلع عموم الناس إليهم باحترام وتقدير في محيطهم، ويعهدون إليهم بأمرهم، ويطلبون منهم معونتهم.
ورموز تتمثل في مجسمات تراثية ومواقع أثرية ومظاهر ارتبطت لدى بعض الشعوب بالتقرب وطلب العون والبركة، وغيرها من الرموز.
القيمة تكمن في المعنى الذي يودعه الجمع في الرمز ليتعلقوا به معنويًا ويفردوا له مساحة في ذواتهم ووجدانهم.
ولذا استمرت الرموز حيَّة متوارثة جيلًا بعد جيل؛ فوصلت من الماضي إلى الحاضر، وتواصل طريقها إلى المستقبل؛ فالناس يتفاءلون بها، ويطمئنوا لوجودها، لأنها تخاطب شعورًا عميقًا في نفوسهم وتلامس مشاعر ارتبطت بحياتهم وماضيهم.
والإنسان يبحث عن دلالات رمزيه تتجاوز هيئتها المادية، لتمنحه الأمل، وتكون نورًا في قلبه يتشبث به، حتى ولو كانت حدوة حصان، فيتطلع إليها بتفاؤل، فتقدِّم له الدافع للعمل والتقدم بدلًا من اليأس والقنوت والتراجع والانزواء بانتظار نهايته.
وتراه يُعلِّقها أمام بيته أو في موقع عمله أو في سيارته أو غيرها من الأماكن المختلفة، ليس لأنه ينتظر أن تُغيِّر مستقبله وتُحقِّق أمنياته أو ترسم له مساره بما يُسعده، وإنما ليضع أمام ناظريه، رمزًا يُذكِّره بأن يبقى متفائلًا دائمًا حين تتعقد الأمور وتصعب الأحوال.
إنَّ الأمل الذي يبقى حيًا- وإن طال الطريق- فلا بُد من الحظ أن يفتح له أبوابه، والتفاؤل يدفع إلى السعي المُخلِص، والسعي المُخلِص يقود إلى التغيير نحو الأفضل لكل روح توَّاقة إلى التقدم والنجاح.
ولذا فالتعلق بالرموز، والإيمان بها والانتماء إليها، ليس إلّا تمسُّكًا بما يطمئن المرء إلى أن آماله ستتحقق، وأن القادم أفضل بفرص جديدة لكل مُستحِقٍ.
