الاحترام.. لمن؟!

 

 

صاحب السمو السيد نمير بن سالم آل سعيد

الاحترام قيمة أخلاقية أصيلة، ومن أهم الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتنا، حتى إنه يمتد إلى أبسط تفاصيل خطاباتنا، فنستهل رسائلنا بعبارات مثل: "الفاضل"، ثم يليه الاسم متبوعًا بكلمة "المحترم"، ونختمها بعبارة: "وتفضلوا بقبول فائق الاحترام". وهذا نموذج على ما تحرص عليه مجتمعاتنا من قيم الاحترام، وأهمية تعزيزها في التعامل بين أفرادها.

ومن صور الاحترام المهمة، احترام الوالدين، وولاة الأمر، وأهل العلم، وأصحاب الفضل والرفعة بما يليق بمكانتهم.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنزلوا الناس منازلهم". أي: إعطاء كل إنسان مكانته وقدره.

وهناك أناس بيننا قد بلغوا منزلة رفيعة من الاحترام في تعاملهم؛ لأنهم تمسكوا بهذه الصفة الراقية، فأصبحت جزءًا أساسيًا من شخصياتهم، يحترمون الجميع دون استثناء، ويتعاملون بمنتهى اللطف والتهذيب. وهم أناس أخيار، وكأنهم تعلموا في مدرسة الأدب والأخلاق الرفيعة.

غير أن هناك آخرين لا ينطلقون في احترامهم من مبدأ ثابت، ويقين راسخ، فتتبدل معاملتهم بتبدل الأشخاص وفق مصلحتهم.

فإذا لقي أحدهم من يظن بأنه قد يحتاج إليه في واسطة أو منفعة، فإنه يبالغ في مظاهر احترامه إلى حد التملق والسماجة، أما من لا ينتظر منه نفعًا، فإنه لا يوليه اهتمامًا، وربما يشيح بوجهه عنه إلى البعيد.

أما بعض الشخصيات فتظهر احترامًا كبيرًا في المجالس واللقاءات الاجتماعية، حتى يقال عنها بأنها شخصيات متواضعة مؤدبة مع الجميع، ولكن في بيوتهم وبين أهلهم يتغير أسلوبهم، فيظهرون الوقاحة والجفاء وافتقاد الاحترام، خاصة عند الاختلاف في الرأي أو عدم التوافق في شأن من الشؤون.

والاحترام الحقيقي تبدأ مظاهره في البيت عند التعامل مع الأسرة والأهل، ثم يمتد إلى سائر الناس في الخارج، ولا يكون مجرد سلوك مصطنع أمام الآخرين في الخارج.

وقد يرى البعض أن هناك من لا يستحقون الاحترام بسبب سوء أخلاقهم وتصرفاتهم السلبية المتكررة معهم، فيتساءلون: لماذا نعامل مثل هؤلاء باحترام؟

فمهما يكن، فإن التزام الاحترام يبقى واجبًا أخلاقيًا، وخلقًا ثابتًا لا ينبغي التخلي عنه.

واحترام الآخرين لا يعني موافقتهم على كل شيء، والسكوت عن أخطائهم، وإنما يعني الاختلاف معهم بأدب، فلا نصعّد الأمور معهم.

فمن الاحترام التعامل مع الاختلافات برحابة صدر وهدوء، فالناس لا يتشابهون في أفكارهم وتجاربهم ونظرتهم للأمور، والاختلاف وارد أن يحدث أحيانًا، وهذا أمر صحي، على ألا يتطور إلى كراهية وخصام.

والرد على الإساءة لا يكون بإساءة مثلها أو بأكبر منها. والخطأ لا يقابل بخطأ مثله، والمرء يتعامل بأخلاقه لا بأخلاق غيره. وما نستطيعه مع مثل هذه الشخصيات، إذا استمرت في أخطائها، وأصرت على سوء تصرفها، هو أن ننأى بأنفسنا عنها، أو نقلل تعاملنا معها إلى أقصى حد ممكن، على أمل أن تصلح من حالها، وتعود إلى صوابها.

ودائمًا ما تكون الكلمة الطيبة، والإنصات للآخرين، والتعامل الحسن، له الأثر الطيب في النفوس. أما القسوة والجفاء في التعامل فيؤديان إلى هدم روابط المودة، وزرع مشاعر النفور والكراهية.

ومن أجمل صور التعامل الإنساني أن نحترم أولئك الذين يخدموننا كل يوم، ويؤدون أعمالهم بإخلاص، ومنهم عاملة المنزل التي تعمل بصمت، وتتحمل أعباء كثيرة في المنزل مقابل راتب بسيط تتقاضاه آخر الشهر، وعامل محطة الوقود الذي يقف ساعات طويلة لخدمة الناس، والبائع الذي يستقبل الزبائن في محله من الصباح حتى المساء، وغيرهم ممن يؤدون أعمالًا يحتاجها المجتمع.

ومع ذلك، فإن هناك من لا ينظر إلى هؤلاء إلا كأدوات لا كبشر، فلا يمنحونهم أبسط حقوقهم من الاحترام، ويعاملونهم أحيانًا بقسوة وجفاء لمجرد أنهم عمال بسطاء، وكأن مهنتهم المتواضعة تنتقص من قدرهم وتقلل من قيمتهم، بينما هذا العمل جهد مشروع، وعمل شريف يبعدهم عن مد اليد واستجداء الناس.

وقد قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في احترام الناس جميعًا، فكان يعامل الجميع بما يحفظ كرامتهم ويصون مكانتهم، وقد عرف عنه كمال الأدب، وحسن الخلق، وبشاشة الوجه.

وقد جاء الإسلام ليؤكد أن احترام الإنسان لأخيه الإنسان من مكارم الأخلاق، ومن أعظم القيم التي دعا إليها الرسول، وحث عليها الإسلام.

وهكذا، فإن احترام الآخرين -أيًّا كانوا- يعكس احترام الفرد لنفسه أولًا وأخيرًا، ويدل على أصالة معدنه ونبل أخلاقه. وكلما ترسخت هذه القيمة في المجتمع أكثر، تحقق الجوهر الإنساني في أسمى معانيه، وأصبح التعامل بين الناس على قدر أعلى من الرقي والإنسانية.

الأكثر قراءة

z