ما ليس لدينا

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

إذا مررت بمنزل فخم يسكنه أناس تعرفهم، أو حللت ضيفًا عليهم، وأنت تعيش في بيت متواضع، أو رأيت شخصًا يقتني سيارة فارهة، في حين لا تملك إلا سيارة عادية بسيطة، أو علمت بترقية أحد زملائك، وهو بنفس إمكانياتك الوظيفية ومؤهلاتك، وربما أقل، وأنت باقٍ على ما أنت عليه، لم يلتفت إليك أحد في عملك، أو لا تزال باحثًا عن عمل منذ سنوات، وتأتيك الأخبار بأن أشخاصًا من معارفك ورفاق دراستك توظفوا، وأنت لم تستطع الحصول على وظيفة رغم محاولاتك المتكررة للتوظيف، أو امرأة تبدو وكأنها تنعم بحياة هانئة مستقرة مع زوجها وأبنائها، بينما أخرى لم يحالفها الحظ للزواج، والوقت يمضي والسنون تمر، فتضيق عليها فرص الارتباط وتكوين أسرة، أو امرأة تزوجت وكان مآلها إلى طلاق مؤلم، وقس على ذلك الكثير من المشاهد الحياتية المختلفة التي نراها حولنا وفي محيطنا.

فإذا حصل ذلك، فلنسلم بأن هذه هي الحياة كما هي، بمستوياتها المختلفة بين الناس، وهي الحقيقة المعاشة التي لا مهرب منها، ومن الحكمة أن ننظر إليها بعين الرضا والقبول لمعطياتها، فذلك يبعث في النفس الأمل والتوازن، ويحفز على السعي نحو تصحيح الأوضاع وتحسين الظروف إلى الأفضل خطوة بخطوة.

وما نراه لدى الآخرين من مظاهر النعمة لا يعني أنهم أكثر رزقًا وأسعد حظًا، فذلك ليس إلا مشهدًا سطحيًا غير مكتمل، ولو اطلعنا على صفحات حياتهم لوجدنا أن لديهم نصيبهم من الإخفاقات والآلام والمخاوف، كما لديهم نصيبهم من النجاحات والفرح والطمأنينة، وإن اختلفت ظروفهم وتفاوتت تجاربهم.

غير أن بعض الناس يعتبرون المال الوفير قمة الأرزاق وأسعد الحظوظ، فإذا لم يكن معهم، فلا شيء معهم، متناسين بقية النعم العظيمة التي معهم، فلا يشعرون بقيمتها إلا بعد فقدها.

فالصحة، وراحة البال، والطمأنينة، وطول العمر، والعائلة الصالحة، وغيرها من النعم، كلها أرزاق الله يوزعها على من يشاء بحكمته، فهذا ينال من الدنيا أشياء ويُمنع عنه أشياء.

"وما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". والله يعلم بخفايا الأمور وأنتم لا تعلمون، فما منعه الله في حينه، فالخير في منعه، وما منحه فقد جاء وقته فناله صاحبه، بتقدير العليم القدير.

والانشغال بالناس وما لديهم من حظوظ دنيوية والمقارنة بهم قد يجعل المرء ينظر إلى حياته ومستواه نظرة تقلل من قيمته وقدره، ويقوده ذلك أحيانًا إلى الانتقاص من ذاته والتقليل من شأنها، مما يبعث في النفس بعضًا من الضيق والأسى، والشعور بالضعف والمهانة.

ولذا فالالتفات إلى النفس والاعتزاز بها وبقيمتها، والتحرك في استثمار الوقت والجهد في تطوير الذات، هو الطريق الأجدر من أجل حياة أفضل، بدلًا من الانشغال بما لدى الآخرين وحسدهم على ما لديهم، الذي لا يغير من الواقع شيئًا.

وبالسعي ينال الإنسان مراده، وما لا يدركه اليوم، قد يدركه غدًا، أو تنفتح له أبواب أخرى من الخير العميم. ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

الأكثر قراءة

z