بقلم: حمود بن علي الطوقي
يمثل بناء الإنسان العُماني وتمكينه أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها رؤية «عُمان 2040»، انطلاقًا من الإيمان بأن الثروة الحقيقية للأوطان لا تُقاس بما تمتلكه من موارد مادية فحسب، بل بما تمتلكه من عقول مؤهلة، وكفاءات قادرة على القيادة وصناعة القرار وتحويل الخطط والطموحات إلى منجزات واقعية.
لقد أولت سلطنة عُمان، منذ انطلاق مسيرتها التنموية الحديثة، اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والتدريب والتأهيل، وابتعثت أبناءها لاكتساب العلوم والمعارف والخبرات، وفتحت أمامهم أبواب العمل في مختلف القطاعات. واليوم، أصبح من الطبيعي أن تتقدم هذه الكفاءات لتتولى المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية والخاصة، بعد أن أثبتت حضورها وجدارتها واكتسبت خبرات مهنية وإدارية واسعة.
ومن هذا المنطلق، أسعدتنا القرارات الإدارية الأخيرة بتعيين عدد من الكفاءات الوطنية في مناصب قيادية بقطاع الطيران والخدمات المرتبطة به، وفي مقدمتهم ناصر بن أحمد الشرجي رئيسًا تنفيذيًا للطيران العُماني، والمهندس يعقوب بن سيف الكيومي رئيسًا تنفيذيًا لطيران السلام، والمهندس إبراهيم العامري رئيسًا تنفيذيًا لشركة «ترانزُم المناولة الأرضية»، وسليمان السيابي رئيسًا تنفيذيًا لشركة «ترانزُم التموين»، إلى جانب تعيين هيثم الطائي رئيسًا للشؤون التجارية في «ترانزُم المناولة الأرضية»، وعلي المعولي رئيسًا للشؤون التجارية في الشركة العُمانية لاستثمارات الطيران.
ولا تكمن أهمية هذه القرارات في الأسماء والمناصب وحدها، وإنما في الرسالة الوطنية التي تحملها؛ وهي أن أبناء عُمان باتوا يمتلكون من الخبرات والكفاءات ما يؤهلهم لقيادة القطاعات الاستراتيجية وإدارة المؤسسات الكبرى، ولا سيما قطاع الطيران الذي يتطلب معرفة متخصصة وقدرة على التعامل مع المتغيرات المتسارعة والمنافسة الإقليمية والدولية.
وكنت قد سألت معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، في لقاء سابق، عن توجه الوزارة نحو إسناد المناصب القيادية في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية إلى الكفاءات الوطنية. وأوضح معاليه حينها أن هناك خطة للتحول، ومن أبرز ملامحها تأهيل الكوادر العُمانية وتمكينها من تولي المواقع القيادية.
وحقيقة الأمر أننا نرى اليوم هذا التحول يتحقق بصورة تدريجية ومدروسة، من خلال وصول الكفاءات الوطنية إلى مواقع تنفيذية مهمة وجديرة بأن يديرها المواطن العُماني المؤهل. وهذا يؤكد أن تمكين الكفاءات الوطنية لم يعد مجرد شعار أو أمنية، بل أصبح مسارًا مؤسسيًا واضحًا تترجمه القرارات الإدارية على أرض الواقع.
وبحكم عملي صحفيًا ومتابعًا للقضايا الوطنية، واكبتُ مراحل متعاقبة من تعيين الكفاءات الوطنية في المناصب القيادية، ليس في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية فحسب، وإنما أيضًا في قطاعات النفط والغاز والطاقة، وفي الشركات الحكومية وشركات المساهمة العامة، إلى جانب القطاع المصرفي. وقد أثبتت التجارب أن الكفاءة العُمانية، متى ما مُنحت الثقة والصلاحيات وتهيأت لها بيئة العمل المناسبة، تستطيع إدارة المؤسسات باقتدار وتحقيق نتائج ملموسة.
وهذا التوجه يرسم خارطة طريق لمستقبل أفضل، ويؤكد قدرة الإنسان العُماني على قيادة القطاعات التي يتولى مسؤوليتها، والإسهام بفاعلية في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040». كما أنه يعزز الثقة لدى الأجيال الشابة بأن الاجتهاد واكتساب المعرفة وتطوير المهارات تمثل الطريق الحقيقي للوصول إلى مواقع المسؤولية والقيادة.
إن الاعتماد على الكفاءة الوطنية لا يعني تعيين المواطن لمجرد أنه مواطن، وإنما يعني اختيار الشخص المؤهل والقادر على تحمل المسؤولية وتحقيق النتائج. فالمواطنة تمنح الانتماء، أما الكفاءة فتمنح القدرة على الإنجاز، وعندما يجتمع الانتماء بالمعرفة والخبرة، تصبح المؤسسة أكثر قدرة على فهم أولويات الوطن وخدمة مصالحه وتحقيق أهدافه بعيدة المدى.
وفي المقابل، فإن تمكين القيادات الوطنية ينبغي ألا يتوقف عند حدود إسناد المناصب إليها، بل يجب أن يصاحبه منحها الصلاحيات اللازمة، وتوفير البيئة الإدارية الداعمة، ووضع أهداف ومؤشرات أداء واضحة، ومحاسبتها على النتائج. فنجاح القيادات لا يتحقق بالأسماء والمسميات، وإنما بما تحدثه من تغيير إيجابي في أداء المؤسسات وجودة خدماتها وكفاءتها المالية والتشغيلية.
كما تقع على القيادات الجديدة مسؤولية وطنية تتمثل في إعداد الصفين الثاني والثالث من الكفاءات العُمانية، وفتح المجال أمام الشباب لاكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية. فالقيادي الناجح ليس من يحقق الإنجاز خلال وجوده فقط، بل من يبني منظومة مؤسسية قادرة على الاستمرار، ويترك وراءه جيلًا جديدًا من القادة المؤهلين.
وقطاع الطيران، على وجه الخصوص، يمثل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني؛ فهو يرتبط بالسياحة والاستثمار والتجارة والخدمات اللوجستية، ويسهم في ربط سلطنة عُمان بالعالم وتعزيز مكانتها بوصفها وجهة اقتصادية وسياحية واعدة. ولذلك، فإن وجود قيادات وطنية تمتلك الخبرة والطموح في مؤسسات هذا القطاع يشكل خطوة مهمة نحو تحقيق التكامل بين بناء الإنسان وتنويع الاقتصاد، وهما من الغايات الأساسية لرؤية «عُمان 2040».
إننا إذ نشيد بهذه التعيينات، فإننا نراها ثمرة لمسيرة طويلة من التعليم والتدريب والتأهيل، ودليلًا على أن الاستثمار في الإنسان العُماني هو الاستثمار الأكثر استدامة وربحًا. كما نتطلع إلى أن يمتد هذا التوجه ليشمل مختلف القطاعات والمؤسسات، وأن تُمنح الكفاءات الوطنية الفرصة والثقة متى ما امتلكت المؤهلات والخبرة والقدرة على الإنجاز.
لقد راهنت عُمان على أبنائها، وهذا الرهان لن يخيب. وما نشهده اليوم من وصول كفاءات وطنية إلى مواقع قيادية هو بداية لمرحلة تتقدم فيها الخبرة العُمانية إلى الصفوف الأولى؛ لتقود وتبتكر وتصنع الفارق، وتسهم في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا لعُمان وأبنائها
