حمود بن علي الطوقي
مع إعادة تفعيل منصة «تيك توك» بعد ما أُشيع خلال الفترة الماضية عن حجبها في سلطنة عُمان، أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب موقفًا أكثر حزمًا تجاه أصحاب الحسابات المسيئة والمخالفة، سواء كانوا مواطنين أو مقيمين؛ فالقانون يجب أن يكون هو المعيار، دون النظر إلى جنسية صاحب الحساب أو عدد متابعيه أو شهرته.
من يتعمد نشر محتوى مخالف للقانون، أو يسيء إلى الآخرين، أو ينتهك الخصوصية، أو يستخدم المنصة بطريقة تسيء إلى المجتمع وقيمه، ينبغي أن يخضع للمساءلة من الجهات المختصة، وأن تتخذ بحقه الإجراءات التي تجيزها الأنظمة، بما في ذلك طلب إغلاق أو تقييد الحساب متى كان ذلك متاحًا قانونًا، إلى جانب أي عقوبات أو إجراءات أخرى تراها الجهات المختصة مناسبة.
كما أرى أهمية الإعلان عن الإجراءات والعقوبات التي تصدر بحق الحسابات المخالفة، متى أجاز القانون نشرها؛ ليس بغرض التشهير بالأشخاص، وإنما لإيصال رسالة واضحة بأن الفضاء الإلكتروني ليس خارج نطاق القانون، وأن ما يرتكبه الإنسان خلف شاشة الهاتف قد تترتب عليه مسؤولية حقيقية.
لقد أصبح «تيك توك» وغيره من منصات التواصل جزءًا من حياتنا اليومية، وتستفيد منه شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين في مجالات المعرفة والتعليم والتجارة والتسويق والسياحة وريادة الأعمال وصناعة المحتوى. ولذلك فإنني لست مع حجب المنصة لمجرد وجود ممارسات سلبية فيها، فالحل في تقديري ليس إغلاق النافذة، وإنما محاسبة من يسيء استخدامها.
وأقول ذلك رغم أنني لست من المستخدمين الدائمين لـ«تيك توك»، لكن تصلني بين الحين والآخر روابط ومقاطع تجعلني أتساءل عن مستوى بعض ما يقدم تحت مسمى «صناعة المحتوى».
فمن المؤسف أن نشاهد بعض الحسابات التي يديرها مقيمون من جنسيات عربية وآسيوية تستغل انتشار المنصة في بث محتوى أو تصوير أماكن ومواقف بأسلوب غير لائق، وفي المقابل نجد بعض الشباب العُماني من الجنسين يقدمون محتوى هابطًا لا يحمل رسالة أو قيمة، ويسعى بعضه وراء الشهرة والمشاهدات والإثارة بأي ثمن.
وهنا يجب أن نكون واضحين ومنصفين: المشكلة ليست في جنسية صاحب الحساب، وإنما فيما يقدمه من محتوى. والمواطن والمقيم أمام القانون سواء فيما يتعلق بالالتزام بالأنظمة واحترام المجتمع وحقوق الآخرين.
إن مقطعًا لا تتجاوز مدته ثوانٍ قد ينتشر كاللهيب، ويتجاوز حدود السلطنة ليشاهده مئات الآلاف، وربما الملايين. وحين يكون هذا المحتوى مسيئًا أو مبتذلًا، فإنه قد يقدم صورة مشوهة لا تعبر عن حقيقة المجتمع العُماني المعروف بقيمه وأخلاقه وعاداته وأصالته.
وفي المقابل، من الإنصاف أيضًا أن نشيد بالمحتوى الإيجابي. فهناك مواطنون ومقيمون يقدمون عبر «تيك توك» وغيره محتوى رائعًا يعرف بعُمان وتاريخها وثقافتها وسياحتها، وينشر المعرفة ويخدم التجارة وريادة الأعمال والابتكار. وهؤلاء يستحقون التشجيع، لأنهم يقدمون الوجه الآخر والمشرق لهذه المنصات.
ولهذا فإن إعادة إتاحة «تيك توك» ينبغي أن تكون فرصة لفتح ملف أوسع حول مسؤولية المحتوى الرقمي.
وهنا أتطلع إلى دور أكبر من الجهات الرقابية والتنظيمية والجهات المختصة بالجرائم الإلكترونية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، في متابعة المخالفات والتعامل معها بحزم وفق القانون. كما أن الإعلان المؤسسي عن العقوبات والإجراءات، عندما يسمح القانون بذلك، يمكن أن يؤدي دورًا توعويًا ورادعًا، ويؤكد للجميع أن العالم الافتراضي ليس مساحة بلا قانون.
ولا تقل المسؤولية التربوية أهمية عن الرقابة؛ فوزارة التعليم والمدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع والإعلام مطالبة بزيادة مساحة التوعية بالثقافة الرقمية، خصوصًا لدى الأطفال والناشئة.
علينا أن نعلم أبناءنا كيف يستفيدون من هذه المنصات، وكيف يصنعون محتوى يحترم عقولهم ومجتمعهم، وأن يفهموا أن الهاتف الذي يحملونه بين أيديهم أصبح وسيلة إعلام، وأن ما ينشرونه اليوم قد يبقى أثره سنوات طويلة.
نحن لا نريد محاربة التقنية، ولا نريد التضييق على أصحاب المحتوى الهادف، بل نريد فضاءً رقميًا يسمح بالإبداع ويشجع المعرفة ويخدم الاقتصاد والمجتمع، وفي الوقت نفسه لا يتهاون مع من يخالف القانون أو يتعمد الإساءة.
لقد عاد «تيك توك»، ومع عودته يجب أن تكون الرسالة واضحة: نشجع المحتوى النافع، ونحمي حرية الاستخدام المسؤول، ونحاسب المسيء، مواطنًا كان أم مقيمًا؛ فالحرية الرقمية لا تنفصل عن المسؤولية، والانفتاح على العالم لا يعني التنازل عن قيم المجتمع أو مكانة عُمان وصورتها التي نعتز بها.
