من رواد أعمال إلى باحثين عن عمل!

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

ما يحدثُ اليوم في قطاع ريادة الأعمال يستحق وقفة جادة ومسؤولة؛ فعشرات المحلات والمطاعم والمقاهي وصالونات التجميل ومكاتب الخدمات أصبحت معروضة للبيع بأقل الأسعار، وبعض أصحابها لا يبحثون عن الربح، بل عن مخرج يوقف نزيف الخسائر ويعفيهم من التزامات تراكمت حتى أصبحت أثقل من قدرتهم على الاحتمال.

وخلف كل إعلان عن مؤسسة معروضة للبيع قصة رائد أو رائدة أعمال بدأ بفكرة وحلم، وجمع رأس المال، واستأجر موقعًا، وتكبَّد تكاليف التجهيز والديكورات والتصميمات، ووظّف عاملين، ودفع الرسوم، ثم دخل السوق وهو يحمل طموحًا ببناء مشروع يحقق له الاستقرار ويوفر فرص عمل للآخرين. لكن هذا الحلم اصطدم بواقع صعب، فأصبح كثير من أصحاب المؤسسات يفكرون في الإغلاق أو البيع، ويتحولون تدريجيًا من رواد أعمال وتجار إلى باحثين عن عمل.

وبوصفي كاتبًا وصحفيًا متابعًا لما يحدث في هذا القطاع، فإن عددًا من هؤلاء الرواد يلجأون إلينا لإيصال همومهم ومطالبهم إلى صناع القرار، آملين أن تجد كتاباتنا ومقالاتنا وتغريداتنا استجابةً عملية. وأرى أن عددًا متزايدًا من رواد الأعمال بدأوا يفقدون البوصلة في طريق تحقيق أحلامهم. والمشكلة لا تتعلق بمشروع واحد أخفق في الإدارة أو اختيار النشاط، بل بمشهد يتكرر في قطاعات متعددة، وهذا ما يستدعي البحث عن الأسباب الحقيقية بدلًا من تحميل صاحب المؤسسة المسؤولية كاملة.

ومع ذلك، فإن مسؤولية أصحاب المؤسسات تظل قائمة؛ إذ يتعين عليهم دراسة السوق قبل البدء، واختيار النشاط المناسب، وإدارة الموارد بكفاءة، ومراجعة خططهم باستمرار، والاستعانة بالخبرات المتخصصة عند الحاجة. فالدعم المطلوب لا يعني إعفاءهم من مسؤولية القرار والإدارة، بل مساعدتهم على تجاوز التحديات عندما تكون مشروعاتهم قابلة للاستمرار وتدار بجدية.

في نظرنا، إنَّ استمرار إغلاق هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، سيقودنا إلى العودة إلى المربع الأول، بعدما بذلت الحكومة جهودًا كبيرة لترسيخ ثقافة العمل الحُر وتشجيع الشباب على تأسيس مشروعاتهم بدلًا من انتظار الوظيفة. وإذا تخلى هؤلاء عن مؤسساتهم وتحولوا مجددًا إلى باحثين عن عمل، فإننا لن نخسر مشروعات تجارية فقط، بل سنخسر الثقة في مفهوم ريادة الأعمال نفسه.

ونحن- كمراقبين- نرى أن الصعوبات الحقيقية التي تواجه الراغبين في الدخول إلى عالم ريادة الأعمال تكمن في التأسيس والبناء والحماس، ثم المحافظة على الاستمرار؛ أما الهدم فهو أسهل ما يكون. فتأسيس المؤسسة، مهما كان حجمها، يتطلب المال والوقت والجهد والصبر، لكن قرارًا غير مدروس أو رسمًا إضافيًا أو إجراءً معقدًا قد يكون كافيًا لإغلاقها. ومن هنا يجب أن تكون القرارات والتشريعات متكاملة؛ تخدم ولا تهدم، وتدعم ولا تثقل، وتساعد المؤسسة على النمو بدلًا من دفعها نحو الخروج من السوق.

إنَّ رواد الأعمال لا يطلبون المستحيل، لكنهم يحتاجون إلى بيئة عادلة ومستقرة تمنحهم القدرة على التخطيط والاستمرار. كما يحتاجون إلى التشجيع، ورسوم متوازنة، وإجراءات مرنة، وتمويل يمكن الوصول إليه، وفترات سماح عند التعثر، وحماية من المنافسة غير المنظمة والتجارة المستترة، إضافة إلى فتح فرص حقيقية أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في العقود والمشتريات.

المشكلة تكمُن في أن القرارات المرتبطة بريادة الأعمال تصدر أحيانًا من جهات متعددة، وقد يخدم قرار صادر عن جهة هدفًا معينًا، لكنه يفرض في الوقت نفسه أعباء جديدة على المؤسسة من جانب آخر؛ لذلك فإن المطلوب ليس مبادرات متفرقة أو حلولًا مؤقتة، بل سياسة وطنية متكاملة تنظر إلى المؤسسة الصغيرة باعتبارها كيانًا اقتصاديًا يحتاج إلى الرعاية في سنواته الأولى حتى يصل إلى مرحلة الاستقرار.

ولهذا أدعو وزارة العمل، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، إلى الجلوس على طاولة واحدة مع أصحاب المؤسسات أنفسهم، والاستماع إليهم، بعيدًا عن التقارير والأرقام النظرية، ومناقشة التحديات التي تواجههم في السوق، ثم اتخاذ قرارات عملية تساعدهم على الاستمرار والاستدامة.

ومن المهم أن تبدأ هذه الجهات بدراسة أسباب عرض هذا العدد من المؤسسات للبيع أو التنازل، ومعرفة القطاعات الأكثر تضررًا، وحجم المؤسسات التي أغلقت أبوابها، وعدد الوظائف التي فُقدت نتيجة ذلك؛ فالتشخيص الدقيق هو الخطوة الأولى نحو العلاج، ولا يمكن معالجة المشكلة من دون الاستماع إلى من يعيشونها يوميًا.

كما ينبغي التفكير في إنشاء مسار سريع لإنقاذ المؤسسات القابلة للاستمرار قبل إغلاقها، من خلال إعادة جدولة بعض الالتزامات، وتقديم الاستشارات الإدارية والمالية، ومراجعة الرسوم، ومنح المتعثرين فرصة لتصحيح أوضاعهم. فالحفاظ على مؤسسة قائمة أقل كلفة على الاقتصاد والمجتمع من تركها تنهار، ثم البحث لاحقًا عن وظيفة لصاحبها والعاملين فيها.

إن الحكومة، من خلال أهدافها النبيلة وعلى مر السنين؛ بدءًا من ندوة سيح الشامخات 2013، شجَّعت الشباب طويلًا على ريادة الأعمال، وأكدت لهم أن المستقبل في العمل الحُر وصناعة الفرص، فأقبل هؤلاء الشباب مُلبِّين النداء. ولذلك يجب ألا نتركهم اليوم وحدهم عندما تواجه مشروعاتهم الصعوبات؛ فالمسؤولية اليوم مشتركة بين الجهات الحكومية، والمؤسسات التمويلية، والغرفة، والقطاع الخاص، وأصحاب الأعمال أنفسهم.

وإنقاذ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليس مساعدة لفئة محدودة، بل حماية لمنظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. فهذه المؤسسات توفر الوظائف، وتحرك الأسواق، وتدعم الإنتاج المحلي، وتزرع في المجتمع ثقافة المبادرة والاستقلال الاقتصادي.

وإذا لم نتوقف أمام ظاهرة بيع المؤسسات وإغلاقها، فقد نستيقظ يومًا لنجد أنَّ من دعوناهم بالأمس إلى أن يصبحوا رواد أعمال عادوا اليوم إلى طوابير الباحثين عن عمل. وعندها سنكتشف أننا لم نخسر مؤسسات فحسب، بل خسرنا أحلامًا وثقةً ورأس مال وطنيًا كان يمكن أن يسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.

الأكثر قراءة

z