كيف نرتقي باقتصاد التدريب في سلطنة عُمان؟

 

 

 

د. مرتضى بن جمعة بن عبدالله الخائط

تُمثل الكفاءة البشرية أحد أهم مرتكزات التنمية في سلطنة عُمان، فكل استثمار في الإنسان هو في حقيقته استثمار في مستقبل الاقتصاد والمجتمع. ومن واقع المتابعة لقطاع التدريب، أرى أن المؤسسات والمعاهد التدريبية الخاصة لم تعد مجرد جهات تقدم دورات أو تمنح شهادات، بل أصبحت شريكًا مهمًا في إعداد المهارات التي يحتاجها سوق العمل، ومساندة الشباب في الانتقال من التعلم إلى الإنتاج وصناعة الفرص.

ومن هنا، فإن تطوير اقتصاد التدريب لا يرتبط فقط بزيادة عدد المؤسسات أو البرامج التدريبية، وإنما بقدرتها على تقديم قيمة حقيقية للمتدرب وسوق العمل، ضمن بيئة تنظيمية واضحة ومرنة تشجع الاستثمار المسؤول وتضمن جودة المخرجات.

لقد شهد قطاع التدريب خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في الجوانب التنظيمية والرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية ذات العلاقة. ويأتي الربط مع منصة «عُمان للأعمال» نموذجًا مهمًا في تسهيل رحلة المستثمر، من خلال تبسيط الإجراءات وتكامل البيانات وتقليل الوقت والجهد اللازمين لتأسيس وممارسة النشاط.

لكن المرونة الاستثمارية لا ينبغي أن تعني التوسع في النشاط بمعزل عن الجودة؛ فنجاح المؤسسة التدريبية يقاس في النهاية بقدرتها على تقديم برامج يحتاجها سوق العمل، ومدربين مؤهلين، وتجربة تدريبية ذات أثر ملموس.

كما أن التشريعات المنظمة لسوق العمل وما تشهده من تحديثات تفتح المجال أمام أنماط أكثر مرونة في التدريب والتطوير المهني، وهو ما يتطلب من المؤسسات التدريبية أن تكون أكثر قدرة على قراءة التغيرات في سوق العمل والاستجابة لها بسرعة.

من وجهة نظري، فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التدريبية الخاصة اليوم ليس في تقديم المزيد من البرامج، وإنما في تقديم البرامج الصحيحة في الوقت الصحيح؛ فالسوق يتغير بسرعة، والمهارات المطلوبة تتغير معه. لذلك، من المهم أن تتجه المؤسسات إلى تخصصات أكثر ارتباطًا بالمستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والمهارات الرقمية، إلى جانب المهارات المهنية التي يحتاجها الاقتصاد العُماني.

كما ينبغي أن تتجاوز المؤسسة التدريبية فكرة «بيع الدورة» إلى مفهوم أوسع يتمثل في صناعة المهارة وقياس أثرها؛ فالمعيار الحقيقي ليس عدد المتدربين أو الشهادات الممنوحة، وإنما ما الذي تغير لدى المتدرب بعد انتهاء البرنامج، وكيف انعكس ذلك على أدائه وفرصه المهنية.

وهنا أرى أن أمام المستثمرين وأصحاب المعاهد التدريبية مجموعة من الأولويات المهمة:

أولاً: الاستثمار في البرامج النوعية.

الابتعاد عن تكرار البرامج التقليدية، وبناء برامج تستند إلى تحليل احتياجات سوق العمل والقطاعات الاقتصادية الواعدة.

ثانيًا: تعزيز الحوكمة والجودة.

الالتزام باللوائح المنظمة للنشاط، ورفع كفاءة المدربين، والاستفادة من الاعتمادات المهنية الموثوقة، بما يعزز ثقة المجتمع في المؤسسة التدريبية.

ثالثًا: الاستفادة من التحول الرقمي.

توظيف المنصات الحكومية الرقمية وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يجعل رحلة المستثمر والمتدرب أكثر سهولة ووضوحًا.

رابعًا: بناء شراكات مع سوق العمل.

المعهد الناجح هو الذي يستمع إلى أصحاب العمل ويعرف المهارات التي يحتاجونها، ثم يحول تلك الاحتياجات إلى برامج تدريبية قابلة للتطبيق.

وعي المتدرب جزء من جودة التدريب

وفي المقابل، لا تكتمل منظومة الجودة من دون متدرب واعٍ. ومن خلال متابعة واقع التدريب، يتضح أن قرار المتدرب لا ينبغي أن يبنى فقط على اسم الدورة أو قيمة الشهادة، وإنما على مدى ارتباط البرنامج باحتياجاته المهنية ومستقبله الوظيفي.

 

لذلك، من المهم أن يتحقق المُتدرِّب قبل التسجيل من ترخيص المؤسسة واعتماد البرنامج، وأن يتأكد من الجهة التي ستصدر الشهادة ومدى الاعتراف بها، قبل دفع الرسوم أو الالتزام بالبرنامج.

والأهم من ذلك أن ينظر المتدرب إلى التدريب باعتباره وسيلة لاكتساب مهارة حقيقية، وليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة. فالشهادة قد تفتح الباب، لكن المهارة هي التي تساعد على الاستمرار والتميز.

وقد شاهدنا نماذج لشباب عُمانيين استفادوا من برامج تخصصية قصيرة في مجالات تقنية ومهنية وريادية، واستطاعوا تحويل ما تعلموه إلى أعمال ومشروعات وفرص جديدة. وهذه هي الصورة التي نطمح إلى أن يتوسع نطاقها في قطاع التدريب.

إنَّ الارتقاء باقتصاد التدريب في سلطنة عُمان ليس مسؤولية جهة واحدة. فهو مسؤولية مشتركة بين المنظم والمستثمر والمؤسسة التدريبية والمدرب والمتدرب وسوق العمل.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على كمية التدريب إلى جودة التدريب وأثره، ومن النظر إلى المؤسسة التدريبية كمقدم خدمة تقليدي إلى اعتبارها شريكًا في التنمية الاقتصادية وبناء رأس المال البشري؛ فالاستثمار الحقيقي في التدريب هو الذي يحقق معادلة متوازنة: تنظيم يحمي الجودة، ومرونة تشجع الاستثمار، ومؤسسات تستشرف احتياجات المستقبل، ومتدرب واعٍ يعرف أين يستثمر وقته وماله.

وعندما تتحقق هذه المعادلة، يمكن للمؤسسات التدريبية الخاصة أن تصبح أكثر من مجرد أماكن للتعلم؛ لتتحول إلى منصات لصناعة المهارات، ودعم ريادة الأعمال، ورفع جاهزية الشباب، والمساهمة في بناء اقتصاد عُماني أكثر تنافسية واستدامة، بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية "عُمان 2040".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z