د. عبدالله الأشعل **
لا تزال العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين مصر وإيران، رغم أنَّ الطرفين يريدان استئناف العلاقات، وقد مرت العلاقات المصرية الإيرانية بمراحل متعددة نوضحها فيما يلي:
المرحلة الأولى عندما كان الشاه يحكم إيران وعبدالناصر يحكم مصر، والمعلوم أن الشاه كان صديقًا لإسرائيل وحليفًا لأمريكا، وعلاقة الشاه بأمريكا هي التي سمحت بإبرام كافة الاتفاقيات الأمنية بين أمريكا والاتحاد السوفييتي؛ حيث يبلغ طول الحدود الإيرانية السوفيتية 2500 كيلومتر مربع.
ومعلوم أن المد القومي في عهد عبد الناصر كان يهدف إلى حماية الخليج من استيطان الفرس في الخليج، ولذلك اصطدم جمال عبدالناصر مع الشاه لهذا السبب ولصداقته لإسرائيل، وبسبب مساعدة عبدالناصر للخميني عندما فرَّ للعراق واستقر في النجف الأشرف عام 1964، ولذلك تقدر الثورة الإسلامية في إيران مصر بسبب مساندة عبدالناصر لها.
المرحلة الثانية هي مرحلة قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وهو نفس العام الذي كان نقطة تحول في الشرق الأوسط وفي العالم العربي، وهو تحول أنور السادات من التحالف مع الروس إلى التقارب المصري الأمريكي الإسرائيلي، وكانت تلك خسارة كبرى للثورة الإسلامية في إيران، حيث ترتب عليها ما يلي:
أنور السادات كان مُعاديًا للثورة الإسلامية في إيران، كما أنه استضاف الشاه وزوجته بعد أن رفضتهم أمريكا بعد مرض الشاه، وبالفعل وصل مصر ومات فيها بعد أسبوع واحد، ودفن إلى جانب والده في القاهرة، ومما يذكر أنَّ الشاه شخصيًا كان معاديًا لجمال عبدالناصر بسبب أنَّ الشاه كان متزوجًا من أخت الملك فاروق، وجمال عبدالناصر عزل الملك ثم تعقبه في إيطاليا. وسبب آخر هو أن عبد الناصر كان يُؤيد حركة مصدق وانتقد عزله وإعدامه، وأطلق اسمه على شارع في حي الدقي في القاهرة، ولذلك كان العداء بين الشاه وعبدالناصر متبادلًا.
أما أنور السادات فكان اتجاهه أمريكيًا إسرائيليًا، مما سهل التقاء الشاه بأنور السادات. ومما يذكر أن الشاه كانت له أملاك وكانت له أرصدة طالبت بها الثورة الإسلامية في إيران، ولكن السادات أنكرها كلية، فكان ذلك من أسباب عداء إيران للسادات.
يضاف إلى ذلك أنَّ إيران أطلقت على أكبر شارع في طهران اسم قاتل أنور السادات، وظلت هذه الذريعة قائمة عقبة في سبيل إعادة العلاقات الدبلوماسية من الجانب المصري.
الثورة الإسلامية في إيران أخطأت التقدير عندما قطعت العلاقات مع مصر ظنًا منها أنَّ قطع العلاقات يمكن أن يصحح العلاقات مع أمريكا وإسرائيل.
أن الثورة الإسلامية في إيران بدأت بمعاداة إسرائيل وأمريكا؛ حيث وضعت علم فلسطين مكان العلم الإسرائيلي على السفارة الإسرائيلية في طهران، ويذكر أن الثورة الإسلامية في طهران أعلنت منذ اليوم الأول أنها ستزيل إسرائيل، ولذلك فإنَّ العداء بين إيران وإسرائيل عداء مركب، وفي النهاية هذا العداء ديني في الأساس. وقد ساء إيران الثورة أن الأقصى سقط في يد إسرائيل عام 1967، فأقسمت إيران أنها هي التي ستحرره من يد الصهاينة عن طريق المقاومة، ولذلك فإن الصراع بين إيران الثورة وإسرائيل صراع وجودي تهدف إيران من ورائه إلى إزالة إسرائيل، كما تهدف إسرائيل إلى تدمير إيران.
واليوم فقط حدثت أزمة بين إسرائيل وأمريكا؛ لأن ترامب تراجع في اللحظة الأخيرة عن توجيه ضربة نجلاء لإيران، تلك الضربة التي زار من أجلها نتانياهو واشنطن الأسبوع الماضي، لكن هذه الأزمة يشفع فيها أن ترامب نذر نفسه لخدمة إسرائيل.
نعود للعلاقات المصرية الإيرانية، فاستعادتها في جميع المجالات تخدم الشعبين والبلدين، ولكن يبدو أن أمريكا وإسرائيل وبعض الدول العربية ترقب التقارب المصري الإيراني ولا تريده، رغم أنَّ إيران دائمة المدح في مصر وفي قيمتها في الشرق الأوسط.
واكتفت مصر بدور الوساطة بين إيران وأمريكا، وانضمت إلى باكستان وتركيا وقطر في جهود الوساطة.
والسؤال الكبير: ما دامت عودة العلاقات السياسية والسياحية والتجارية في مصلحة البلدين، فمتى تعود العلاقات بين البلدين، وما هي المعوقات؟
يبذل البلدان جهودًا جادة لعودة العلاقات، ولكن ظروف الحرب والعدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران تجعل عودة العلاقات في هذه المرحلة تُفسَّر على أنها انحياز لإيران، وهذا ما يرفضه كل الخليج، كما ترفضه مصر. يضاف إلى ذلك أن العلاقات الإيرانية الأمريكية متوترة في الوقت الراهن، وليس من الحكمة إعادة العلاقات في هذه الظروف، كما ليس من الحكمة تصعيد التوتر وانعكاسه على العلاقات بين مصر وإيران؛ فمصر تدعو دائمًا إلى تخفيف التوتر وعدم التصعيد، والموقف المصري بهذه الطريقة هو في صالح السلام الإقليمي.
وسوف تعود العلاقات في جميع المجالات في الحالات الآتية: إذا تم اغتيال ترامب أو حدث انقلاب ضده سياسيا أو عسكريا، وهو احتمال مطروح، أو هزم الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المُقبل.
وعلى كل حال، فالعلاقات بين إيران ومصر سوف تعود عندما يتغير القرار في البيت الأبيض أو يتغير سيد البيت الأبيض.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
