عواصم - الوكالات
شنّت إيران هجومًا صاروخيًا باليستيًا استهدف ما وصفه الحرس الثوري الإيراني بأنه معسكر «تيتين» التابع لمشاة البحرية الأمريكية في جنوب الأردن، في تصعيد جديد امتد من الأراضي الإيرانية إلى مواقع القوات الأمريكية في المنطقة، وذلك عقب الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع إيرانية في جنوب البلاد.
وقال الحرس الثوري الإيراني إن قواته نفذت «هجومًا باليستيًا مكثفًا» على معسكر تيتين، مدعيًا أن الضربة أدت إلى مقتل عدد من العسكريين الأمريكيين وتدمير منشآت عسكرية ومروحيات هجومية داخل الموقع. ولم تؤكد واشنطن هذه الرواية.
ويقع معسكر تيتين في منطقة العقبة، على مقربة من الطرف الشمالي للبحر الأحمر، وعلى مسافة نحو 15 كيلومترًا جنوب مدينة العقبة، ويرتبط بتدريبات عسكرية مشتركة بين القوات الأمريكية والأردنية، من بينها تدريبات مرتبطة بمناورات «الأسد المتأهب». ويمنح موقعه الجغرافي أهمية خاصة بسبب قربه من ميناء العقبة وخليج العقبة والحدود مع إسرائيل والسعودية.
بحسب البيانات الإيرانية، استخدمت طهران صواريخ باليستية في استهداف المعسكر. وتشير المعطيات الأردنية إلى أن وابلًا من 13 صاروخًا باليستيًا دخل الأجواء الأردنية، تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض وتدمير 10 منها، فيما سقطت ثلاثة صواريخ في مناطق نائية.
ويعني ذلك أن الهجوم لم يكن ضربة صاروخية منفردة، بل رشقة باليستية واسعة هدفت إلى تجاوز منظومة الدفاع الجوي عبر إطلاق عدة صواريخ في فترة زمنية متقاربة، مع بقاء التفاصيل المتعلقة بنوع الصواريخ ومساراتها ونقاط إطلاقها الدقيقة غير معلنة رسميًا.
الحرس الثوري أعلن أن الصواريخ أصابت المعسكر وأوقعت خسائر بشرية ودمرت منشآت ومروحيات. في المقابل، قالت مصادر أمريكية إنه لم تقع إصابات أو أضرار كبيرة في معسكر تيتين، كما لم يؤكد الجيش الأردني إصابة المعسكر، واكتفى بالإعلان عن اعتراض 10 صواريخ وسقوط ثلاثة في مناطق غير مأهولة.
كما أظهرت تقارير تحليلية لاحقة أن بعض المقاطع المتداولة لصاروخ إيراني في منطقة العقبة لا تثبت إصابة منشأة عسكرية؛ إذ بدا في أحد المقاطع أن الصاروخ اصطدم بمنطقة جبلية، وهو ما يجعل الجزم بأن «تيتين» تعرض لتدمير واسع أمرًا سابقًا لأوانه.
لماذا اختارت إيران «تيتين»؟
يحمل استهداف تيتين دلالة عسكرية وسياسية تتجاوز حجم المعسكر نفسه.
فالموقع يقع بعيدًا نسبيًا عن مركز العمليات في الخليج، بالقرب من العقبة، ما يعني أن إيران أرادت إظهار أن الابتعاد بالقوات الأمريكية عن مضيق هرمز لا يخرجها بالضرورة من نطاق الصواريخ الإيرانية.
كما أن الأردن يستضيف عددًا من المنشآت والقوات الأمريكية، ما يجعله جزءًا من شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن استهداف موقع أمريكي في العقبة يبعث برسالة إلى واشنطن مفادها أن القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة يمكن أن تكون عرضة للاستهداف حتى خارج منطقة الخليج المباشرة.
جاء الهجوم الإيراني بعد موجة جديدة من الضربات الأمريكية على مواقع للحرس الثوري الإيراني، شملت وفق القيادة المركزية الأمريكية مواقع للدفاع الجوي والرادارات والمنشآت البحرية وقدرات زرع الألغام والاتصالات.
وأعلنت إيران أن ردها جاء على تلك الضربات، ولا سيما الضربة التي أصابت منطقة سيريك في محافظة هرمزغان، والتي قالت السلطات الإيرانية إنها أدت إلى سقوط قتلى وجرحى خلال حفل زفاف. وأفادت تقارير لاحقة بأن الولايات المتحدة تحقق في الضربة، بينما خلص تحليل لصور ومقاطع مصورة راجعتها «رويترز» إلى أن الذخيرة الأمريكية أصابت المبنى على الأرجح إصابة مباشرة.
لم تقتصر التحركات الإيرانية على الأردن؛ فقد أعلنت طهران عن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة ضد مواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في العراق والكويت والبحرين والإمارات، في محاولة لتوسيع نطاق الضغط على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وفي الأردن تحديدًا، تحدثت إيران أيضًا عن استهداف قاعدة الأمير حسن الجوية، مدعية ضرب حظائر لطائرات مسيرة من طرازي RQ-4 وMQ-9، وهي ادعاءات لم تؤكدها واشنطن بصورة مستقلة.
ويعكس اختيار تيتين تحولًا في طبيعة الرسائل العسكرية الإيرانية؛ فطهران لا تركز فقط على القواعد الأمريكية الكبرى في الخليج، وإنما تحاول إثبات قدرتها على تهديد شبكة الانتشار الأمريكية الممتدة من الخليج إلى العراق والأردن.
وبينما لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة تؤكد وقوع الخسائر الكبيرة التي أعلنها الحرس الثوري داخل معسكر تيتين، فإن وصول صواريخ باليستية إيرانية إلى المجال الجوي الأردني واستنفار الدفاعات الجوية لاعتراضها يؤكد أن المواجهة باتت تمتد إلى نطاق جغرافي أوسع.
وفي المقابل، فإن إعلان الأردن اعتراض 10 صواريخ من أصل 13 يشير إلى أن الدفاعات الجوية نجحت في تقليص خطر الرشقة الصاروخية، بينما لا تزال طبيعة الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية، إن وجدت، بحاجة إلى أدلة ميدانية وصور أقمار صناعية يمكن التحقق منها.
وتبقى الضربة، بصرف النظر عن حجم الأضرار المادية، واحدة من أبرز الهجمات الإيرانية على منشأة أمريكية في الأردن، وتكشف عن اتساع دائرة المواجهة بين طهران وواشنطن لتشمل مواقع عسكرية بعيدة عن مسرح العمليات المباشر في مضيق هرمز.
