رحيل "بهيد".. غياب الموسوعة الأدبية لظفار

 

 

 

 

محمد حاردان

 

رحلت اليوم قامة شعرية باسقة، وذاكرة حية لموروث ثقافي ولغوي امتد لآلاف السنين؛ غيب الموت الشاعر الشعبي الكبير مسلم بن ساعي خير قهور المهري، الشهير بلقب "بهيد"، الاسم اللامع والناصع في سماء الشعر الشعبي الظفاري.

وبرحيله، تفقد الساحة العُمانية مرجعًا تاريخيًا وأدبيًا فذًا، وموسوعة متنقلة وثّقت إرث الشعر الشعبي واللغة المهرية العريقة في محافظة ظفار. ولم يكن الشاعر "بهيد" مجرد ناظم قوافي، بل كان مدرسة في أخلاقيات الميدان وأصول المحاورة، حيث يتذكره كل من عاصره وشاهده في مساجلاته ومحاوراته الشعرية وهو يستقبل الشعراء بابتسامة دافئة ملؤها الترحيب والتقدير. وعند تلقي القصيدة، لم يكن يكتفي بالرد الشعري، بل كان يعلق بأسلوبه المرح المعهود، ليبين للشاعر وللحضور "معنى السر" في تلك المرادات التي غالبًا ما تُصاغ بأسلوب رمزي عميق لا يدركه إلا دهاة الكلمة وعمالقتها.

وقد شكّل وجود الراحل في الساحة الشعرية صمام أمان للموروث، ودعمًا وملهمًا حقيقيًا للجيل المعاصر من الشعراء الشباب، فكان بمثابة الأب الروحي والموجه الحكيم في الميدان. وحتى الأمس القريب، كان يُنظر إلى من يتساجل معه أو يقف أمامه في ميدان الشعر بأنه قد نال وسامًا رفيعًا واعترافًا حقيقيًا بشاعريته وأدبه وقيمته بين الشعراء.

رحل "بهيد" الذي يعد الاسم المهم والأهم في الساحة الشعرية التقليدية جسدًا، لكن ذكراه بقيت حية نابضة بالوفاء، وشعره باقٍ ومحفور في وجدان الوطن كإرث أدبي لا تمحوه الأيام، وستبقى قصائده باللغة المهرية واللهجة الظفارية مرجعًا تنهل منه الأجيال معاني الأصالة والذكاء الفطري.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله وذويه والساحة الأدبية العمانية الصبر والسلوان.

"إنا لله وإنا إليه راجعون".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z