"عثرات الاستهلاك، مُقتنيات تتكاثر في وعي مُعطّل"
حمد الناصري
عندما يَستبد القلق الباطني بوعي الإنسان إثر عثرات الإخفاق، يرتد الوعي مكبّلاً تحت تأثير تلك الجرثومة الخفية؛ حيث تتحَوّل صدمة الفشل إلى اندفاعٍ طوعي وشَرِه نحو الاستهلاك المادي وتكديس الأشياء، ظناً واهِمًا من المرء أنّ امتلاك المظاهر يَمنح الروح نجاحًا موهومًا، ويُعيد إليه المكانة المهدورة.
ويتأصّل هذا التحليل البنيوي في كونه يكشف أنّ النزوع نحو الاستهلاك التفاخري والمظهري ليس سلوكاً اقتصادياً مجرداً، بل هو حِيلة نفسية وارتداد باطني يُحاول المرء من خلاله تعويض عثرات الإخفاق الداخلي، وضمان مكانة اجتماعية مُصطنعة؛ الأمر الذي يُحَوّل المُقتنيات المادية بفعل الوَهْم إلى قيد جديد يُكرّس ركود النفس، ويُقًيّد انطلاقة طاقتها الحيوية.
وهذا الانسياق الزائف يجد بُرهانه الكوني الأعلى في المُحكم القرآني العظيم؛ حيث يُفَنّد النص الإلهي حقيقة الانخداع بالتكاثر العددي والمادي الذي يمتص وقود العُمر ويَطْمُر بصيرة النهوض دون طائل، في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} (التكاثر: 1-2).
فالبيان الإلهي يُشخص بحركية مُذهلة ودقة بالغة غاية هذا الامتصاص الحِسي؛ فالتنافس في المُقتنيات هو من إفرازات الاستهلاك غير الصائب، حيث تكون حركة النشاط الذاتية مُعَطّلة، وفي ظل ذلك التراكم المادي المُتخم يُمارس الوعي ركوده، ويُوهم الذات بالإلهاء المُتعمد لقواها، ليظل الإنسان يركض وراء الأوهام المادية حتى يُفاجئه الموت أو بغتة الزمن بصدمة العجز الحركي، سواء بفقدان المال، أو بتبدّد طاقة الجسد، أو بخسارتهما معًا.
ونرى في أطروحتنا هذه، أنّ خُطورة هذا السُلوك تكمن في أنه يستنزف قوة البدَن ويهدر المال خلف أسوار المُقتنيات التي تحبس القُدرة الكامنة في الذات، وتُغيّب جذوة النشاط الفاعل في كينونتنا الداخلية. وتلك القوى المُعطلة هي العثرة الحقيقية؛ فعندما يتحَوّل الفرد، أو المجتمع بأسره، إلى حالة استنزاف طوعي يجرّ نفسه وراء سراب استهلاكي، يتعَطّل فيه مَنشطه الفاعِل عن إحياء الفِعل، وتستبدّ به جرثومة تتخفّى وراء واجهة إنتاجية مُعَطلة، تترصّد به ليكون مغلولاً في ذروة استهلاكه.
وهذا التعطيل الحِسي يُطابق التحذير الإلهي المُحكم من مَغبّة الترف والاستهلاك غير المنتج الذي يُورث الهلاك الفردي والجمعي في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء: 16)؛ حيث يكشف النص القرآني كيف يتحَوّل الترف والاستهلاك الشّرِه إلى آفة تنخر سيكولوجية المجتمع، وتُبيد طاقته الحيوية.
ومن هذه الملهمة الواعية، نؤكد أنّ الجرثومة الخفية ليست عدوًّا خارجياً يتربّص بنا، بل هي كائن طُفيلي كامن في داخل النفس وفي عُمق الذات؛ يتغذى على المخاوف الباطنية ويستفزّها عثرة تلو عثرة. وإن لمْ يستنهض الإنسان أدوات المُقاومة الذاتية ويكسِر الندم، فإنّ حتميّة السقوط واردة؛ إذ يتحَوّل ذلك الفرط الاستهلاكي إلى شلل كامل يُعَطّل حركة المنشط الحيوي ويضعف بيئته، ليقع الإنسان في النهاية في محظورات الركود المُعَطَل التي لم تكن تخطر على باله حين كان في أوج قوة عطائه وبذخه.
وإنّ فحص هذا التحليل الباطني يؤكد أنّ التهديد الحقيقي لطاقة الإنسان والمجتمع لا يأتي من عوائق خارجية، بل ينبثق من استسلام الذات لتعويض الإحباط الداخلي عبر مظاهر بذخ واستهلاك مُتخم، مِمّا يصنع شللاً باطنياً خفياً يمتص المنشط الحيوي، ويُحيل الفرد والمجتمع إلى حالة من العجز والركود في ذروة ترفهم المادي.
وهذا الشلل النفسي يتماهى تماماً مع ما طرحه المفكر الجزائري مالك بن نبي عام 1948م في كتابه الخالد "شروط النهضة"؛ حيث يرى أنّ المجتمعات المأزومة حين تعجز عن صناعة الأفكار الحية، تُصاب بـ "مرض التكديس والشيئية"؛ فتهرع إلى تجميع المنتجات والظواهر المادية لتوهم نفسها بالتقدم، بينما هي في العُمق تُمارس هدراً طوعياً لطاقاتها المنتجة.
ويتكامل هذا التكديس المرضي، في كفة التحليل الغربي، مع ما أسسه عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار عام 1970م في كتابه "مجتمع الاستهلاك"؛ إذ يُبرهن على أنّ الإنسان الحديث في أوقات الأزمات وفقدان الأمان الباطني، لا يستهلك الأشياء لمنفعتها الوظيفية، بل يستهلك الرموز والمظاهر تعويضاً عن قلق الإخفاق وضياع المكانة.
وهو ذاته الفِعل التدميري لتلك الجرثومة الخفية التي تمتص طاقة الروح، وتُحَوّل قنوات الشراء إلى قيود تُكَبّل الحواس وتُعطل عصب السعي الفعلي.
خُلاصة القول: إنّ تحرير الطاقات من عثرات الاستهلاك لا يَتِمُّ بالانكفاء وتكديس المُقتنيات، بل بيقظة وعي صارمة تقتلع طاقة التعويض الوهمي من جذور النفس، وتكشف زيف السراب المادي الذي تترصّد به تلك الجرثومة الخفية؛ فالانعتاق الحقيقي من التكديس المُعطِّل يتطلب تحويل قوى الذات نحو بناء الأفكار الحية ودفعها صوب الإنتاج الفِعلي في الواقع المُعاش، ليتحَوّل الوعي من ركود الاستنزاف إلى قوة تصويبية تفكّ قيود الاستهلاك الطارئ.
*هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة مُعَطّلة".
