د. مجدي العفيفي
(1)
لم يعد الطغاة يكمّمون الأفواه.. لقد اكتشفوا أن الضجيج أنفع من الصمت.
لم يعودوا يحظرون الكتب، بل يغرقون الناس في ملايين الكتب التافهة.
لم يعودوا يغلقون المسارح، بل يفتحونها كلها لتُعرض فيها مسرحية واحدة: «كل شيء بخير، لا تقلق، اضحك!»..!
في الماضي كانت «الديكتاتوريات»» تعتمد على الرعب.. أما اليوم فتعتمد على الضحك المنظَّم.
الضحك المصنوع في استوديوهات ضخمة، الذي يُعيد برمجة العقول على القبول، ويحوّل المأساة إلى نكتة، والإهانة إلى «ترند».
هكذا يُخدَّر الوعي تحت لافتة «التسلية».
في القنوات الرسمية، تختفي النشرات خلف برامج الطبخ، وتُغطَّى الهزائم الوطنية بمواسم الغناء، ويُستبدَل النقاش الجاد بالـ«توك شو» المتشنّج الذي لا يقول شيئًا.
(2)
الأنظمة الحديثة فهمت أن الشعوب التي تضحك كثيرًا لا تُفكر!!.
الضحك هنا ليس فرحًا، بل سلاحًا ناعمًا.. يُستخدم لتفكيك الغضب، لتحويل الألم إلى «ميم»، والكارثة إلى «فقرة خفيفة قبل الفاصل الإعلاني».
كيف أصبحت برامج «المقالب» أكثر جرأة من الصحافة، وكيف صار الممثل الذي يسخر من نفسه أكثر قبولًا من المثقف الذي يسخر من السلطة.
تلك هي الخدعة الكبرى:
أن تُمنح حرية التهريج بدل حرية التفكير..
تُدار الأمة من غرفة مونتاج واحدة..
تُختار الموضوعات التي ستثير «الترند»، وتُسحَب القضايا الجادّة من التداول، حتى يُصبح الشعب في حالة تنويم جماعي: منشغلًا بالشائعات، مفتونًا بالتوافه، يُصفّق، يضحك، ويستمتع وهو لا يدري أنه يُقاد.
(3)
لقد تحوّل الترفيه إلى «وزارة دفاع نفسية» تحمي النظام من الأسئلة، وتُلهي العقول حتى لا تتذكّر أن هناك ظلمًا، أو فقرًا، أو وطنًا يُباع قطعة قطعة. والمفارقة المريرة أن الشعوب تشارك في هذا التنويم طوعًا، تستهلك كل ما يُعرض عليها، وتدافع عن المهرّجين كما كانت تدافع عن الزعماء.
فقد ذابت الحدود بين الحاكم والمُمثل، وصار الاثنان يملكان الشاشة، يُغذيان بعضهما: الأول يشتري الولاء بالضحك، والثاني يشتري المجد بالكذب.
تلك هي معادلة الطغيان الحديث:
الضحك بدل القمع، الترفيه بدل الفكر، العرض بدل الوعي.
وفي النهاية، لا يُغلق النظام فمك، بل يملأه بالنكتة.
ولا يمنعك من الحلم، بل يبيعك أحلامًا جاهزة على شكل مسلسل رمضاني.
(4)
هكذا تُخرس الشعوب لا بالعصا، بل بالضحك.
ويُخدَّر وعيها لا بالمخدرات، بل بالـ«ترندات».
ويُختزل الوطن في مشهدٍ جميل بإعلان، بينما تُسرَق خلفه الحقيقة بصمتٍ ضاحك.
وحين ينتهي العرض.. حين تُطفأ الأضواء وتغيب الكاميرا.. لا يبقى سوى الصمت المرّ، وصوت داخلي يقول:
«ضحكنا كثيرًا.. فمتى سنستفيق؟»!!!
(5)
كان يُقال في الأزمنة القديمة: «الظلم لا يعيش إلا بصمت الرعية».
لكن في زمننا الجديد، الظلم يعيش بالتصفيق، وباللايك، وبالمشاركة، وبالضحكة الجماعية.
لم تعد الشعوب ضحيةً محضة، بل أصبحت - ببطءٍ ورضا - جزءًا من ماكينة الطغيان، تغذيها بالمشاهدات، وتبررها بالحماس، وتمنحها شرعيةً شعبية تغنيها عن العدل.
كل نظامٍ جائر يحتاج إلى جمهورٍ مروض، يخاف من السؤال أكثر من خوفه من الحاكم، يجد في الاستقرار عذرًا لكل إهانة، وفي الأمن مبررًا لكل ذلّ.
ذلك الجمهور الذي كان يومًا يصرخ من القهر، صار اليوم يضحك من فوق أنقاضه، ويشارك في البثّ المباشر لخرابه، كأن الخراب نفسه أصبح مهرجانًا وطنياً.
(6)
المتفرجون على الخراب لا يعيشون في الخوف، بل في الاعتياد.. اعتياد الكذب، اعتياد الفساد، اعتياد الإهانة، حتى أصبح الطغيان هو «الوضع الطبيعي» في الوعي الجمعي.
هم أولئك الذين يرددون دائمًا: «وماذا بيدنا أن نفعل؟»و«على الأقل عندنا أمان.» و«غيرنا أسوأ.» كأنهم بذلك يمنحون الطاغية شهادة حسن سلوك.
إنهم لا يحملون السلاح، لكنهم يحملون أخطر منه: السكوت الجماعي.
فلا جريمة تكتمل من دون من يشهدها ثم يصمت.
ولا طاغية يبقى من دون جمهورٍ يبرر وجوده.
(7)
المأساة ليست في الطاغية، فكل العصور عرفت طغاتها.
المأساة الحقيقية في تحوّل الشعوب إلى جمهورٍ دائم، ينتظر العرض التالي، يُدين الطغيان في الخفاء ويصفّق له في العلن، ينتقد النظام على فنجان قهوة، ثم يسير في جنازته بالورود.
هذا الجمهور هو «الجدار الأمني النفسي» للنظام.
يحميه بجبنه، ويدعمه بسلبيته، ويمنحه الوقت الكافي ليُعيد بناء أسواره من حولهم.
ولأن الطغاة يفهمون ذلك، فقد جعلوا من الشعوب نفسها أداة الرقابة.
صار كل مواطن رقيبًا على الآخر، كل كلمة مشبوهة، كل فكرة «مغرضة»، كل رأي «خارج عن الصف».
فلم يعد الحاكم بحاجة إلى شرطة سرية، حين أصبح الشعب نفسه شرطة الخوف الجماعي.
(8)
الطغيان الحديث لا يحتاج إلى السجون، بل إلى «تواطؤ الأغلبية».
أن يصمت الناس وهم يعرفون، أن يبرروا وهم يتألمون، أن يضحكوا وهم يُجلدون، ذلك هو سرّ بقائه.
المتفرجون على الخراب يشاهدون بلادهم تُنهَب، ولا يتحركون، يشاهدون أبناءهم يهاجرون، فيقولون: «الله يسهل.» يشاهدون الفقر يُنبت الجريمة، فيقولون: «عيب الناس، مش من النظام.»
لكن الحقيقة الموجعة.. أنهم هم النظام، حين يصمتون، حين يخافون، حين يسامحون الطغيان لأنهم تعبوا من المقاومة.
(9)
وعندما ينهار كل شيء في النهاية، حين تسقط الأعمدة، وتنهار الصورة، ويُعلن الخراب رسميًا، لن يجدوا من يصفّق.
سيكتشفون أن المسرحية كانت عنهم، وأنهم هم الذين صعدوا على المسرح دون أن يعلموا، لأداء دورٍ واحدٍ لا يتغير: دور المتفرج الأبديّ على نهايته.
(10)
وهكذا؛ يتحوّل الجمهور إلى شريكٍ في الجريمة..!!
