أفلح بن عبدالله الصقري
كانت نظيرة فتاةً طموحةً من المهد إلى قمم الجبال، وهي أبعد من أن تحصر طموحها في حدود مؤقتة. فقد عرفناها بشغفها الذي يتعدى الحدود، ولا تعرف معنى الاستسلام، وهوايتها أن تكون منجزةً ذات رؤية ثاقبة منذ الصغر، وعنوانها هو النجاح في كل مجال. وقد أنشأت لنفسها برنامجًا وهي لا تزال في ريعان شبابها، وآثرت إلا أن تصل إلى ما كانت تطمح إليه، وقد تحقق لها ذلك؛ لأنها لم تنظر، ولو مرةً واحدةً، إلى الخلف، برغم الكثير من المحبطين حولها، والقليل من المحفزين، ولكنها لم تستمع إلا إلى عقلها وقلبها اللذين دائمًا ما يرافقانها أينما كانت، ودعاء أهلها لها؛ لذلك وصلت إلى ما تريده.
إن قيادتكِ لمجموعة من الطلبة، عندما كنتِ معلمةً لمادة الجغرافيا، إلى جبل كليمنجارو بتنزانيا ضمن برنامج "غلوب" التعليمي لجمع البيانات البيئية، هي بداية الرحلة لصعود الجبال والتحدي الذي واجهكِ.
نظيرة الحارثي ليس مجرد اسم، وإنما هي زهرة وصلت إلى أعالي القمم، وزرعت نفسها بعُمانيتها عنوانًا على قمة جبل إيفرست، وذلك في العام 2019 كأول زهرة عُمانية نبتت هناك مع رفع علم سلطنة عُمان، ثم في 2021 سُجلت كأول امرأة عربية تبلغ قمته في النيبال (6812 مترًا)، رغم محاولة سابقة عطلها داء المرتفعات، بعدها صعدت ثامن أعلى جبال العالم في النيبال، كذلك القمة الباكستانية الملقبة بـ"الجبل القاتل".
لم تتوقف نظيرة عند هذا الحد، بل واصلت تقدمها نحو القمم؛ لأنها تؤمن بأن النجاح بلا حدود، فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، وعلامة واحدة تتبعها آلاف العلامات، وحيث وضعت قدمها طبعت نجاحها. ومن هناك، في جمهورية باكستان الإسلامية، كانت النهاية المؤلمة لهذه الفتاة الطموحة، حيث كانت ضمن فريق من 10 متسلقين يحاولون صعود الجبل الجليدي المسمى "برود بيك"، البالغ ارتفاعه (8047) مترًا (ثاني عشر أعلى جبل في العالم).
ومن مقولة الشاعر أبي القاسم الشابي:
"وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبَالِ ** يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرْ".
حيث يدعو البيت إلى الشجاعة والطموح وترك الخوف لتحقيق الأهداف العالية، وهذا ما آمنت به نظيرة إيمانًا مطلقًا، ووضعته نصب عينيها، مستعينةً بالله، والتوكل عليه، وأن صعود الجبال بشموخ أفضل بكثير من البقاء بين الحفر على الأرض. فبحجابها الملتف حول رأسها كانت تتقدم وتصعد، ولا تنظر إلى الأسفل، فالقاع مزدحم، والسماء مفتوحة تنتظر احتضانها.
دائمًا ما كانت نظيرة ذات رؤية واسعة، وطموح يعانق الخيال، وعمل متواصل، هدفها واضح، مبني على تحقيق الأهداف وتسجيل إنجازاتها على صفحات التاريخ. لم تيأس، ولو لحظةً، بل كانت تخطط لتغيير نفسها وكتابة اسمها بشكل مختلف عن الآخرين، ترى أنها قادرة على التعامل مع كل الظروف القاسية لبناء الثقة بنفسها، مع قوة قلبها، لتصبح قدوة للنساء الأخريات، ثم تكون في مصاف الفتيات اللواتي يرفعن اسم بلدهن في جميع المحافل الدولية والإقليمية، فأنتِ ملهمة الجميع بلا استثناء.
وداعًا نظيرة الحارثي، فقد كنتِ، ولا زلتِ، في قلوبنا بعظمتكِ وقوة قلبكِ وقدرتكِ على تحقيق أهدافكِ، وإنجازاتكِ تشهد عليكِ. طالما كنا قلوبًا معًا، نرى فيكِ النجاح والتميز الذي لا يوجد في الآخرين، وقلما نجده. سنظل ندعو لكِ بالرحمة والمغفرة، ونتذكر ما حققتِه لنا ولوطنكِ، ورفعتِ اسمنا عاليًا من حب وتطلع للحاضر والمستقبل. فهنيئًا لكِ حب عائلتكِ لكِ، وحب المجتمع، فقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بصوركِ وبتعزيتكِ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنكِ كنتِ محبوبة ومميزة لدى الجميع، وحتى من لم يعرفكِ ينعى وفاتكِ، ويذكر إنجازاتكِ، وحبكِ لروح المغامرة والتحدي. كما اشتهت روحكِ، وكما أراد لكِ الحلم، ستظلين في القمة يا نظيرة، ستبقين في الأعلى. فيا فخر عُمان ومجدها، السلام عليكِ طهرًا وفخرًا ومجدًا، حياةً وموتًا.
هنا يقف القلم حائرًا كيف ينعى رحيلكِ، ويجف حبره عند نقطة معينة، يبكي فراقكِ، بينما سطور الصفحات تتقطع ألمًا وحرقةً، مكتفيةً بتلك الحروف التي لم توفِّ حقكِ، كذلك الوطن ينعي وفاتكِ حزنًا لرحيلكِ...
اللهم تقبل من نظيرة بنت أحمد الحارثي أعمالها، وتجاوز عن سيئاتها، واجعلها من الصالحات، يا رب العالمين، وأدخلها فسيح جناتك، وأجمعنا بها عند حوض نبيك محمد ﷺ، وآل بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
