نظيرة الحارثية.. حين يكون الإنجاز أقوى من الصّورة النمطية للمرأة

 

 

 

غنية الحكمانية

رحلتْ نظيرة الحارثية وتركت إرثَ روحها الصّلدة، تعانق أرواحَ المؤتلفين لها والمنطلقين للحياة. رحلت وذكرى إرادتها الفولاذية لن ترحل. أثبتت أنّ نوعَ الجنسِ ليس مقياسا لقوة الإنسان ولا رمزا لشجاعته أو فرضا لقوامه، وإنَما تقاس بصلابة إرادته وقوة تحدّيه وعظمَة إنجازه، وأيقنت أنّ الأحلامَ الصّادقة مصيرها حتماً التحقق. فلا قمّة شاهقة تعيق تحقيق الهدف ولا أنواء قاسية تمنع الصعود إلى الغاية.

 لم يزد نظيرة ذلك الإنجاز إلا تواضعا وشرَفا وتفانيا، حلّقت بعلَم عُمان فوق قمّة إيفرست أعلى نقطة على الأرض بأعتى جبال هملايا. ولم تنسَ فضل مُلهمها الرّاحل خالد السّيابي الذي رفرفت باسمه أعلى القمم. لتقتسم معه غيابيا فرحة الإنجاز وحفاوة الوصول وتحقيق الحلم. حُلُم القمة، الحلم الذي طالما راودها وتطلّب تكريسَ مزيد من التجهز والتدرب والتحمل، فواجهت بكل ثبات قساوة الأنواء والتضاريس، عواصف الثلوج ونقص الأكسجين ووعورة التلال الصخرية، إلا أنها تجلّدت للصّعاب، فحققت المستحيل في سبيل شغفها اللامحدود.

نظيرة لم تصنع بوصولها لأعلى قمّةٍ بالعالم مجدَ عُمان، وتمثيل وطنها وصدقَ ولائها فحسب، بل صنعت نجاحاً يحمل اسمه كل امرأة. نجاحا لا يحدّه حدود أو حواجز يعيق من تقدم خطواتها، وصنعت من النجاح قصّةً تُسرِد أحداثاً تُجاوز وتُحطّم قيود الواقع. تلك القيود التي طالما فرضتها الثقافة المجتمعية على المرأة. وُفق تصورات الآخرين ورغباتهم وليس وفق تصورها عن ذاتها وإيمانها بكيانها. بل تشكيك في قدراتها وعزيمتها وقواها الجسديّة والنفسية، لكن كل ذلك كان دافعا قويا للاستمرار إلى الأمام لا للتراجع. فما بُنيَ على مبدأ حتما سيرتقي في مسيرة كفاحها الوعر.

ربّما نظيرة ليست حالة استثنائية أو فريدة من نوعها في تحقيق الرقم الصّعب، ولم تنتزع شارة الصّدارة من الكفاءات النّسائية الملهمة، لكنها كانت مُعبّرةً عن وعي المرأة بذاتها وإدراكٍ لجوهر وجودها. مُحطّمة للقيود القِـبلية والأعراف المجتمعية، لم تقبع في قوقعة الحدود التي تشلّ من حركتها وتكبّل من حُرّيتها، أو تحصرها في قالب من إنشاء المجتمع. فقد أظهرت نظيرة جسامة إرادتها ومتانة قوّتها دون التخلّي عن هوّيتها أو تنازل عن أحلامها. فالنوازل الصّعبة والتصورات المتوارثة لم تضعفها أو تستكين من همّتها. بل واصلت المشوار لتسلق أهدافا أكبر وقمما أكثر.

ستظل نظيرة أيقونة اعتزاز ومبعث إلهام ومضرب صمود، فهي لم تترك أثرا فقط، بل إرثا خالدا يُحتفى بإنجازه ويُجدّد ذكراه للأبد. ضربتْ مثالا في تحدّي القمم دون قبضة خوف. استمدّت وجودها وحضورها من ذاتها المستقلة لا بتبعيّةٍ لغيرها. أو باختزالها في أدوار اجتماعية معينة ومحددة. واستنهضتْ هممَ كل امرأة ذوَت شعلتها وتضعضع شغفها، واحتجبت وراء جُدُرٍ وخلف مسلّماتٍ اُصْطنِعت لها وحُظِرت من تجاوز عبورها.

أثبتت أنّ المرأة قادرة على الاختيار والقرار وتحديد المسار. وصنع علامة خاصة منفردة ومتفردة بها. لا تركن لليأس ولا تخفّض من قيمتها، بل تؤمن بقدراتها ومهاراتها. تحتفظ بمركزيتها الأنثوية وتُسقِط من الصورة النمطية المنتقِصة. فلترقد روح نظيرة الحارثيّة في سلامٍ أبدي، تحفّها دعوات صادقة لوديعتها الصّامدة وتِرْكتها القيّمة، التي خلّفتها لمنطلقاتٍ كسرْن قيود المألوف والتبعية والوصاية. ليكنّ لمن خلفهنّ معجزة وآية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z