"حادث سبتة" في إسبانيا وتعدد التفسيرات

 

 

د. عبدالله الأشعل

راج تفسيرٌ معينٌ لتدفق اللاجئين في سبتة، وهو أن الحكومة المغربية أعلنت أخبارًا سارةً بالنسبة للاقتصاد، أدت باللاجئين إلى الخروج ردًّا على هذه الأخبار، ولكن هذا التفسير يفيد في سياقٍ معين، وهو العلاقة بين الحاكم والمحكوم في المغرب.

هناك تفسير آخر، وهو أن تدفق آلاف اللاجئين المغاربة وإثارة المشكلة في سبتة كانا عقابًا لإسبانيا لسببين:

الأول: انتصارها في كرة القدم على الأرجنتين.

والثاني: أن ملك إسبانيا ورئيس الوزراء، وهما يستقبلان وفد بلادهم المنتصر، رفعا علم فلسطين، فلجأ هذا التفسير إلى نظرية المؤامرة، التي لا أستبعدها كليةً، وهي أن إسرائيل وأمريكا رتبتا هذه الهجرة الجماعية لآلاف المغاربة حتى توجد مشكلة مع إسبانيا. ولكن هذا التفسير يدعي بأن معظم المهاجرين المغاربة من اليهود. وهذا يفتح ملف يهود المغرب الذين وفدوا إليها من إسبانيا بعد سقوط الأندلس في القرن الخامس عشر الميلادي. ولكن أستبعد هذا التفسير أيضًا، دون استبعاد نظرية المؤامرة.

للأسباب الآتية:

أولًا: أن إسرائيل تقيم أفضل العلاقات مع المغرب مقابل تأييدها للجانب المغربي في قضية الصحراء.

ثانيًا: إذا كان هذا التفسير يعتمد على انتقام إسرائيل من إسبانيا لأسبابٍ سياسية، فإننا لا يجب أن نفسر كل شيءٍ بمؤامرات إسرائيل وأمريكا، رغم أنهما يتآمران على العالم، وخاصة الدول التي اكتشفت الحق الفلسطيني وتجاهر به.

ثالثًا: أن هذا الحادث كلف المغرب كثيرًا في الأرواح، إذ قتلت إسبانيا آلاف المغاربة. ولا يمكن أن تكون الحكومة المغربية لها علاقة بالموضوع. فالمغاربة الذين فروا من بلادهم على سبيل الهجرة يُقدَّرون بالملايين.

رابعًا: أن حادث سبتة أعاد الأضواء مرةً أخرى على الأقاليم المغربية المستعمرة من جانب إسبانيا، وهي سبتة ومليلية، اللتان تعتبرهما إسبانيا أراضيَ إسبانية.

وقد لفت نظري تصريح رئيس وزراء إسبانيا، معقبًا على هذا الحادث، فأكد أن إسبانيا سوف تدافع عن سيادتها على الأقاليم.

والمغرب لم يطالب يومًا إسبانيا بالأقاليم المغربية التي احتلتها منذ قرونٍ عديدة، ولم يُثر الموضوع، سواء بالنسبة لسبتة ومليلية أو بالنسبة للصحراء الغربية، في لجنة تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة. والراجح أن المغرب لم يشأ أن يثير المشكلات مع إسبانيا بسبب هذه الأقاليم.

ونذكر أن إسبانيا، عام 1975، تخلت طواعيةً عن إقليم الصحراء الغربية، فتلقفته المغرب وموريتانيا، وتمسكت المغرب وحدها بالإقليم، واعتبرته جزءًا من الأراضي المغربية، فنوقش الأمر في الأمم المتحدة، التي أحالت القضية إلى محكمة العدل الدولية طلبًا لرأيٍ قانوني في الموضوع، وأكدت المحكمة أن إقليم المغرب لا يشمل إقليم الصحراء الغربية، وأن المغرب، طوال تاريخه، لم يمارس رموز السيادة على الصحراء الغربية يومًا من الأيام، فتكرست قضية الصحراء، ويطالب سكان الصحراء بالاستقلال، مقابل ما تعرضه المغرب من حل، وهو الحكم الذاتي.

وقد شرحنا هذه القضية مفصلًا في مقالاتٍ سابقة، وحل الإشكالية يتمثل في قبول شعب الصحراء لهذا الحكم الذاتي عن طريق الاستفتاء، ولكن المغرب يرفض التخلي عما يعتبره حقوق السيادة على الصحراء الغربية، واستمرت هذه المشكلة أكثر من خمسين عامًا.

وقد نصحنا شعب الصحراء باللجوء إلى الحل الدبلوماسي، وليس العسكري، كما عقدنا، من قبيل تبسيط الموضوع، مقارنةً بين قضية الإيغور في الصين وقضية الصحراء الغربية. فلا يمكن للصحراويين أن ينالوا حقوقهم ضد رغبة المغرب، وكذلك لا يمكن للإيغور هزيمة الحكومة الصينية، خاصةً وأن واشنطن تستخدم هذه الورقة لخدمة مصالحها في إطار العلاقات الأمريكية الصينية.

وتبقى بعد ذلك قضية سبتة ومليلية من مخلفات العصر الاستعماري. فلا المغرب متحمس لاسترداد هذه الأراضي من إسبانيا، وليس مستعدًا للتضحية بمصالحه مع إسبانيا؛ لأن قضية الاستعمار تجاوزها الزمن. كما أن إسبانيا ليست مستعدة للتخلي عن سيادتها على الأراضي المغربية المستعمرة.

الأكثر قراءة

z