موقف إسرائيل والدول العربية من الدولة الفلسطينية

 

 

د. عبدالله الأشعل **

إسرائيل حسمت الأمر فلا تقبل بدولة فلسطينية في فلسطين، وإنما تقبل بدولة
فلسطينية في السعودية.

وكان المشروع الصهيوني واضحًا منذ البداية، ولذلك فإن قرار التقسيم عام
1947 كان دليلًا على تواطؤ الأمم المتحدة مع المشروع الصهيوني. وقد نفى أبا إيبان
مندوب الوكالة اليهودية في الأمم المتحدة الذي أصبح فيما بعد أشهر وزير خارجية لإسرائيل أن يكون قرار التقسيم أساس شرعية إسرائيل وأساس وجودها وشهادة ميلادها.
وقال بشكل واضح بعد التصويت على قرار التقسيم إنه لا يهم ما منحه قرار التقسيم من
مساحة لإسرائيل ولكن المهم أن العالم أجمع اعترف من خلال قرار التقسيم بحق
الصهاينة بإقامة دولتهم في فلسطين.

أما موقف الدول العربية من الدولة الفلسطينية فإن مصر قد اعترفت بالدولة الفلسطينية منذ عام 1964 في أول قمة عربية تعقد بالقاهرة، وأنشأت سفارة لفلسطين في القاهرة. ولما نشأت منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969 اعترفت بفلسطين كدولة عضو في المؤتمر الإسلامي كما اعترفت بها سائر الدول الإسلامية الأعضاء في المنظمة.

وفي عام 1965 قررت مصر إنشاء المقاومة الفلسطينية المسلحة دون أن تسمح لها باستخدام الأراضي المصرية حتى لا تحتك بإسرائيل، فاستخدمت المقاومة المسلحة الأردن ولبنان، ومما يذكر أن جمال عبدالناصر دافع عن المقاومة المسلحة في لبنان والأردن وتوترت العلاقات بين مصر والملك حسين بعد مذبحة أيلول الأسود ضد المقاومة الفلسطينية في الأردن.

وكان آخر أعمال جمال عبد الناصر قبل وفاته هو الإشراف على إبرام اتفاق القاهرة الذي أتاح للمقاومة الفلسطينية العمل من الأراضي اللبنانية، وأعتقد أن هذا هو السبب المباشر للاحتكاك بين المنظمة والطوائف الأخرى في لبنان، مما دفع إسرائيل إلى غزو بيروت في 5 يونيو 1982 وكان هذا التاريخ فاصلًا في تاريخ المنطقة.

فلما غزت إسرائيل بيروت واشترطت لجلائها رحيل المنظمة ومقاتليها من لبنان وتعاونت مع
إسرائيل الطائفة المسيحية واشتركت مع إسرائيل في مذبحة المخيمات في صبرا وشاتيلا في
سبتمبر 1982. وبقي الاحتلال الإسرائيلي في لبنان حتى قيام حزب الله واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الرحيل من لبنان. وهكذا بدأ فصل جديد في تاريخ لبنان.

أما موقف الدول العربية والإسلامية من الدولة الفلسطينية فهم مجمعون على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولذلك صوتت المجموعة العربية والإسلامية على قرار
الجمعية العامة عام 2012 لإقامة الدولة الفلسطينية. وبقيام الدولة الفلسطينية المفروض أن تنتهي منظمة التحرير الفلسطينية وتنتهي السلطة الفلسطينية خاصة أن السلطة تعتقد أنها نشأت بإعلان أوسلو.

وقد أوضحنا في مقال سابق أن إعلان أوسلو عام 1993 خلا من فكرة الدولة الفلسطينية، ثم أنه انتهى بعد خمس سنوات من إبرامه وكان الإعلان محطة من محطات المشروع الصهيوني كما قال بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد.

وموقف الدول العربية والإسلامية من المنظمة يشهد أن كل الدول العربية حاولت فرض الوصاية على قرارات المنظمة، ولكن طوفان الأقصى هو الذي حرر القرار الفلسطيني من الوصاية العربية، ولذلك يجب أن تتغير الصيغة العربية للسلام مع إسرائيل تتغير في ضوء مذابح غزة وصمود الشعب الفلسطيني.

ملاحظاتنا على الصيغة العربية للسلام:

أولًا: لا يفهم العرب معنى السلام ولا يشتركون مع إسرائيل في مفهوم السلام،
وإنما تريد إسرائيل أن يكون سلامًا إسرائيليًا دون أي حقوق للشعب الفلسطيني.

وأصدر الكنيست مجموعة قوانين تحظر إقامة الدولة الفلسطينية في فلسطين، كما
أن تصريحات كبار المسؤولين في إسرائيل تؤكد هذه الحقيقة. وكانت النتيجة أن العرب
فصلوا بين التطبيع مع إسرائيل وبين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وكانت مصر هي
السباقة في هذا الموضوع.

ثانيًا: أن العرب يكررون في قممهم أن الدولة الفلسطينية تقوم على حدود الرابع من يونيو 1967 علمًا بأن هذه المساحة فيها تنازل عربي رسمي عن مساحة قرار التقسيم بمقدار ربع مساحة فلسطين، وهكذا تنازل العرب رسميًا عن ربع مساحة فلسطين ولم يتمسكوا بقرار التقسيم الذي رفضته إسرائيل أصلًا.

ثالثًا: أن عاصمة الدولة الفلسطينية هي القدس الشرقية ومعنى ذلك أن العرب اعترفوا ضمنًا بأن القدس الغربية تتبع إسرائيل، ومعنى ذلك أيضًا قبول صيغة إسرائيل بأن القدس كلها عاصمتها الأبدية في الماضي وفي المستقبل، وهو اعتراف عربي رسمي بالصيغة الإسرائيلية.

صحيح أن القدس الشرقية تم احتلالها عام 1967 ولكن وثائق الأمم المتحدة تتكلم عن القدس جميعًا دون تجزئة، فكأن العرب اعترفوا ضمنيًا بوجهة نظر إسرائيل بأنها وجدت القدس مقسمة إلى شرقية وغربية فتم توحيدها على يد إسرائيل.

والصيغة العربية للسلام الحالية تعترف بوجهة النظر الإسرائيلية وكأن العرب
متواطئون مع إسرائيل.

أما القضية الفلسطينية فهي في ضمير الشعوب العربية، ولذلك يستحيل أن تعدل الدول العربية الصيغة الرسمية للسلام إلى الاعتراف بفلسطين من النهر إلى البحر دون إسرائيل، وهذه وجهة
نظر المقاومة الفلسطينية التي ضحت في طوفان الأقصى لكي يتحرر القرار الفلسطيني وتتحرر فلسطين من الوصاية العربية.

فإذا كانت إسرائيل ترفض صراحة مع أمريكا الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبأن صاحب البيت لا حق له في مجاورة اللص على أرضه، ويدرك العالم توحش إسرائيل واستخدامها القوة الأمريكية في تنفيذ مخططاتها ولا يجرؤ العالم على تحدي إسرائيل وردعها، فكيف يتمسكون بصيغة حل الدولتين؟ تلك من الأساطير في القضية الفلسطينية العامرة بالأساطير المختلفة.

 

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z