زمان (الآن)

 

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

كان -ولا يزال- رمضان أجمل شهور العام، وكانت أحب اللحظات إلى قلبي في طفولتي هي قبل الإفطار بساعة أو أقل، حيث تنادي جدتي الحبيبة -غمرها الله برحمته وإحسانه، وفتح لها بابًا من الجنة لا يُسد إلى يوم الدين- علينا أنا وشقيقتي، وتسلمنا طبقين من المحلبية (الكاستر) أو الهريس أو الرطب... أو غيرها من الأطباق اليومية المألوفة حينها، ثم تأمرنا قائلة: "يا الله الدهديه.. وصلنهن وتعالن، لا تبطن" (الترجمة: هيا بأقصى سرعة أوصلنهن بدون تأخير)، فننطلق كل واحدة منا في اتجاه إلى بيوت الجيران، ففي اليوم الأول يكون الدور عليَّ أنا لأوصل أول الأطباق إلى منزل العم الشيخ عوض بن محمد، والثاني إلى منزل العم الشيخ ناصر بن سعيد، وشقيقتي علياء تذهب إلى بيت جارتنا نصراء التي تربي أبناءها الأيتام، وبيت العم الشيخ عبدالله بن محمد. وطبعًا لا نعود خاليتين الوفاض، لأن الجيران يحملوننا ما يشاركوننا به من إفطارهم، إما أطباقًا، أو غرشة رقيق (قنينة من اللبن الرائب الطازج المخفوق)، ونعود راكضتين كما ذهبنا. وما إن نصل حتى تعطيني قدرًا صغيرة بها بعض من الحساء، وتسلم شقيقتي طبقًا من أي صنف من أصناف الطعام الذي تم إعداده في ذلك اليوم، لنترافق إلى "مويس" -أحد الأحياء القريبة منا-، ونوصلها إما إلى منزل سليموه، أو بيت عمورة، أو سليمة بنت خليف -رحمهن الله جميعًا-، ونعود راكضتين حتى لا نتأخر، حيث نبدأ في مد العزاف (السفرة)، ووضع الطعام قبل الأذان. كان هذا حال عمل جميع الأطفال، المساهمة في عملية تبادل الأطباق، نتحول بلغة اليوم إلى مناديب توصيل، وهي حيلة ذكية ليمر الوقت سريعًا لحين موعد الإفطار.

ولأن لكل عصر لغته، نحن نعيش اليوم في زمن تتطور فيه الأحداث والتقنيات بوتيرة متسارعة ومخيفة، وأصبحت النتائج تُقاس بالنانو ثانية، فمن عمل أراد النجاح فورًا، ومن رفع يديه داعيًا ربه أراد الاستجابة فورًا، ومن وضع رأسه على الوسادة أراد النوم فورًا، لكن ما هكذا تُقاس الأمور، ففي التأني حكمة، وهذا ما علمتنا إياه سورة الكهف في أحداث اللقاء بين سيدنا موسى والعبد الصالح عليهما السلام عند مجمع البحرين. فعندما خرق العبد الصالح السفينة رأى موسى عليه السلام عظم الأمر، وعندما قتل العبد الصالح الغلام رأى موسى بشاعة الجريمة، ولما أقام العبد الصالح الجدار رأى موسى عدم جدوى الفعل. لم يكن سيدنا موسى عليه السلام حينها يعرف الأسباب التي دفعت العبد الصالح لفعل ذلك كله، وكان في كل مرة يستنكر الفعل فورًا، وينسى الاتفاق الذي تم بينهما عند بداية الرحلة. قال تعالى على لسان العبد الصالح: {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰۤ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرًا (70)} سورة الكهف. ولأن كل ما كان يقوم به العبد الصالح كان عكس الواقع والمألوف، كان سيدنا موسى عليه السلام يفقد صبره ويسأله مستهجنًا أو مستغربًا، وكان العبد الصالح قد ركز على هذا الأمر، وأوضحه لسيدنا موسى عليه السلام قبل أن يضع شرطه بعدم السؤال عن أي شيء يراه. قال تعالى على لسان العبد الصالح: {وَكَیۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَاۤ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرًا (69)} سورة الكهف. ورغم تعهد سيدنا موسى بالصبر، إلا أنه يفقد صبره في كل مرة، وهذا هو حالنا جميعًا، لأننا لا نعلم الغيب، ولأننا لا نستبصر الحكمة من الأمر، فقد نحزن، بل وللأسف نغضب، إذا مررنا بموقف صعب لم يكتمل كما أردنا، وقد نجرح أشخاصًا أحبونا بصدق وأخلصوا لنا بسبب تسرعنا في الحكم عليهم من خلال نظرة ضيقة نظرنا إليهم من خلالها، أو قالب مشوه وضعناهم فيه، وقد يكون السبب وشاية خبيثة من شخص مسموم نفث في أذننا سواد الكلام. ولأننا بشر، كسيدنا موسى عليه السلام عندما نصر الذي من شيعته وقتل الرجل، نتسرع ونحكم على شخص ما، أو موقف ما، أو علاقة ما بالنهاية، التي لو أننا حكمنا العقل في كل المعطيات، وحللناها، وأعطينا لأنفسنا فترة من التأمل والاستبصار، واستمعنا إلى الجانب الآخر، لوجدنا أننا قد بالغنا في ردة فعلنا. وكم من أناس ندموا على ردات أفعالهم، ولكنهم اكتشفوا أن من يستحقون الاعتذار قد فارقوا الدنيا، فكم من أخ وجد في داخله قابيل، وكم من أب هرب من صورة آزر عندما نظر في المرآة، وكم من زوجة رأت نفسها في زوجة سيدنا لوط، وكم من صديق بكى دمًا على ما اقترفته كلماته في رفيق دربه. والعجيب أننا في زمان سريع الدوران، نعيش في زمان (الآن)، وما تزرعه اليوم من أقوال وأفعال تحصده بسرعة عجيبة، قد تكون في ذات اللحظة.

إن الدنيا تمضي بنهارها وليلها، ولكن الوقت لم يمضِ لاستغلاله في استرجاع المياه بعد الجفاف إلى قنواتها. ما دامت عروقنا تنبض بالحياة، ونوايانا الطيبة هي مطايانا، سنصل حتمًا إلى ما نسعى إليه، ولكن لنجعل سعينا دائمًا وأبدًا بالكلمة الطيبة وبفعل الخير، فهو الذي سيرافقنا إلى دار القرار.

توقيع:

"وترحل.. صرختي..

تذبل
في وادٍ لا صدى يوصل..

ولا باقي أنين.

زمان الصمت

يا عمر الحزن والشكوى

يا خطوة ما غدت تقوى.. على الخطوة

على هم السنين.

وترحل صرختي تذبل"

الأمير بدر بن عبدالمحسن.

الأكثر قراءة

z