لعله خير

 

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

يُحكى أن أحد الملوك دخل في حرب ضروس مع أعدائه، وكان فارسًا شجاعًا في مُقدمة جيشه، وبعد أن أبلى بلاءً حسنًا كتب الله له النصر، وعاد إلى بلاده ورايات النصر ترفرف، وخرج الشعب يستقبله ينثرون ورود الفرح والترحيب، لكن فرحة الملك بالنصر كانت مشوبة بالحزن؛ حيث فقد الملك أذنه اليمنى في خضم المعركة، فكانت فرحته ناقصة، ورآه أحد وزرائه على هذا الحال، وقال له مخففًا عنه: لعله خير يا مولاي، فغضب الملك غضبًا شديدًا وقال له: وأي خير في خسارتي لأذني؟! فأمر بزج الوزير في السجن، وألا يخرج إلا بأمره.
وبعد مدة من الزمان أمر الملك بتجهيز الحرس للخروج للصيد، وعندما وصل إلى الغابة المقصودة ورأى الأيائل ترعى، بدأ هو وثلة من الحرس في الصيد على الفور، وذلك حتى يتم نصب السرادق والخيام، وتوغل في الغابة محاولًا صيد أحد الأيائل السريعة، وفجأة ظهر له مجموعة من الجند، ووجد نفسه مُحاصرًا ولا وجود لأي من حرسه حوله، فاقتاده هؤلاء الجنود إلى قريتهم، وكانوا من عبدة الأوثان، ولسوء حظ ذلك الملك أنَّهم كانوا يقومون بأحد طقوسهم، ومنها أنهم يقومون بتقديم قربان بشري لأكبر الأوثان في ذلك اليوم، وأدرك الملك أنَّه هالك لا محالة، وعندما حضرت المجموعة التي تقوم بإعداد القربان للذبح، وجدوا أنَّ به عيبًا واضحًا؛ فهذا الرحل له أذن واحدة، وهم لا يستطيعون أن يغضبوا إلههم بتقديم قربان ناقص، لذلك زهدوا فيه وأطلقوا سراحه. وهُنا تذكَّر الملك ذلك الوزير وجملته التي حبسه بسببها "لعله خير"، فعاد إلى بلاده وأمر الحرس بإخراجه من السجن وإحضاره على الفور، وعندما دخل عليه الوزير نهض إليه الملك واحتضنه مُعتذرًا، وأخبره عن القصة، فقال له الوزير: لا تعتذر يا مولاي، فحتى غضبك وسجنك إياي كان خيرا، فربما لو لم تحبسني كنت سأظل مُرافقًا لك مثل ظلك، وعندها كنت سأكون أنا القربان الذي سيأخذونه بديلًا، فضحك الملك وقال: أنت محق فأقدار الله كلها خير.
حدثت المناوشات بين زوجين، وبدأت المشاكل في التفاقم، وكانا دائميْ النزاع والشكوى، وأخيرًا حدث الطلاق، وبدأ كل منهما في حياته الجديدة، ولكن الأهل والأصدقاء يحاولون جاهدين في الصلح بينهما، ولكن لا مُستجيب، لا منه ولا منها، فكل منهما متمسك برأيه أن حياتهما معًا أصبحت مستحيلة، وبعد فترة يتزوج الرجل وينجب الأبناء، وخلال نفس الفترة يتقدم الخُطَّاب إلى مطلقته، ولكنها ترفضهم، ثم يقدر الله وتموت زوجته وتترك له الأبناء، ويشاء الله أن يعود الرجل ويتقدم لخطبة طليقته، ويعودان زوجين مرة أخرى بعد تسعة أعوام من الفراق؛ فسبحان الذي قدَّر الأسباب ليبتعد كل منهما لمُراجعة نفسه وينظر إلى الحياة بمنظور آخر، ويتراجعا بعد تلك السنوات.
هذه ليست قصة فيلم هندي، إنها حكاية واقعية حدثت فعلًا، وبالطبع فإن حالات الطلاق لا تنتهي كلها هذه النهاية السعيدة؛ فهناك من الحالات التي تمتد مشاكلها إلى أروقة المحاكم، ومنها ما يؤدي إلى القطيعة بين الأرحام، والمغزى منها أنَّ كل ما يحدث لنا في حياتنا خير، بأي نهاية كانت.
 ظُلِمْتَ وتم تجاوزك في الترقية؟! إنه شعور مؤلم بالقهر، وأنه لم يؤخذ في الحسبان ذلك المجهود الكبير الذي بذلته، وأن من حصل على الترقية أقل جهدًا منك، لكن لعله خير، لأن الله لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، وسوف ينصرك ولو بعد حين؛ رغم كفاءتك وانضباطك لم يتم اختيارك موظف الشهر أو الموظف المثالي، لعله خير، لأنك تتقن في عملك لأن الله يحب ذلك، فتصبح معايير البشر لديك ضئيلة أمام معايير الخالق -جل في علاه-، وحسن ظنك ذاك سيؤتي أكله بعد حين.
اجتهدت وحاولت أن تتنافس في منحة تعليمية، وكان سعيك حثيثًا لتصل إلى مراحل متقدمة من التصفيات، وفي المرحلة الأخيرة وصلك الرد بالرفض. لا تيأس؛ فلعله خير، وستجد فرصة أفضل منها، وربما عوضك الله في تقدمك في العمل.
العديد من المواقف التي تمُر بنا في هذه الدنيا على المستوى الشخصي أو العلمي أو العملي تأتي على غير ما نريد، فيداخلنا الشيطان بوسوسته، فتضيق صدورنا، ونحس باليأس والعياذ بالله، ولكن بعد أن نستمر في الحياة نجد أن ما اختاره الله لنا هو الخير.
أخيرًا إنني لا أدعو إلى التواكل، أو التقاعس عن طلب حقك؛ بل أحث الجميع على السعي الدؤوب، وعلى اقتناص الفرص، طالما أن الأبواب أمامنا لم تُغلق نهائيًا، وحتى إن وجدنا الباب مغلقًا، فعلينا أن نطرقه، فالأخذ بالأسباب من شِيَم المؤمن التقيّ.

-------------------------------------------

توقيع:
"يا زارعين العنب ما با تبيعونه،
صبر ع الصبر ساعة،
عسى بعد الصبر تشرب من الحالي..
والصبر عند العرب طاعة، وعقب الصبر مضمونه."

حسين بن أبوبكر المحضار
 

الأكثر قراءة

z