عسى عيني ما تبكيك

 

 

 

 

عائشة بنت أحمد البلوشية

 

"في سلم الطائرة بكيت غصبًا بكيت،

على محبين قلبي عندما ودعوني.

أشوف محبوب قلبي بين نخلة وبيت،

يناظر الطائرة يبغى يحرك شجوني".

هذه الأبيات للشاعر اليمني يسلم بن علي، بصوت الأرض -طلال مداح-، كانت جدتي الحبيبة-رحمها الله وأسكنها فسيح جناته- تدندن لي بها، كلما كنت أذهب إليها مودعة إياها مسافرة خارج السلطنة، وكنت أغالب تلك العبرة التي تخنقني، وأحبس دموعي حتى لا تراها، هذه الشخصية الأيقونة، التي أخذت على عاتقها تربيتي منذ أن بلغت الخامسة والنصف من عمري، وأدين لها بما أنا عليه اليوم، علمتني معنى حب الله، والأرض، تعلمت منها حب (أبي) كولد وليس كأب، تتلمذت على يد هذه المربية العظيمة، وتشربت خلاياي منها كل القيم والمبادئ والمُثل والعادات والتقاليد.

في إحدى جلسات الدردشة مع ابني بندر، قال لي: "تعجبني علاقتش ببابا العود -والدي-"، فقلت له داعية: "أسأل الله أن يهبك ابنة تحبك نفس حبي لبابا العود"، ضحك قائلا: آمين، فأردفت قائلة: "لأني أحب أبي حبا غير مشروط unconditional love وهو أنقى أنواع الحب، لا يرتبط بمصلحة دنيوية بأي شكل من الأشكال، هو حب بدون مقابل، بل هو عطاء لا نهائي، لا ينتظر مقابلا لذلك العطاء، وهذا الحب يمكن أن نجده بين الزوجين، وبين الإخوة، وبين الآباء وأبنائهم، وبين الأصحاب، لكن أبلغ صور هذا الحب الذي يكون بين الأم وطفلها، الذي يبدأ الإحساس به منذ الخلجة الأولى التي تحسها الأم لجنينها، وتظل تنتظره بلهفة حتى يخرج للدنيا، فهي تطعمه وإن كانت جائعة  لأنها تريده أن يقوى عوده، وتسهر بكل حب إذا كان مريضا حتى يشفى، وتسامحه وتجد الأعذار والمبررات إن أخطأ، وحتى عندما تعاقبه تتألم وتبكي بينها وبين نفسها، باختصار هي تتفانى من أجله.

وما أروع تلك الأم التي تربي طفلا من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو ممن ابتلاهم الله بأحد أطياف التوحد، أو المتلازمات المختلفة، أو العظم الزجاجي، أو التصلب اللويحي، أو غيرها من الابتلاءات التي تتطلب الرعاية المستمرة، والإلمام بمشكلة الطفل الصحية العقلية والبدنية، حيث يتطلب منها جهدا مضاعفا لتنشأته النشأة السليمة، وسبحان الله المعطي الوهاب، نجد أن هذه الأم قد ضاعف من كم الحنان لديها كي تصبر على وضع طفل من أطفالها بهذه الحالة، فهو يحتاج إلى كم من المشاعر والاهتمام والإلمام يفوق ما يحتاجه الطفل العادي، ويظل قلبها معلقا بذلك الطفل، وتخشى عليه من الجوع أو العطش أو قضاء أي حاجة وهو لا يستطيع أن يطلب منها المساعدة، فتصبح هي يديه ورجليه حتى يكبر، وتظل تحاول جاهدة أن تلحقه بأحد المؤسسات التعليمية، أو التأهيلية في محاولة منها لدمجه مع المجتمع، وتجد دعاءها في السر والعلن عسى عيني ما تبكيك أو عساني ما أذوق حزنك، رغم أن العلم في بعض الحالات يبلغ الأبوين أن بعض الحالات لا تتجاوز عمرا معينا، إلا أننا نجد لوعة تلك الأم وحزنها على فراق ذلك الطفل يكون مضاعفا، وكم من أم فارقت أكثر من طفل بهذا الوضع الاستثنائي، نراها بيننا تبتسم ولكن قلبها ينفطر ألما.

خلاصة القول هو أن الحياة كانت تمر علينا مر السحاب، واليوم تمر بنا كبرق يلوح في الأفق البعيد، ما أن ينبلج الفجر حتى نجد أنفسنا نأوي إلى مخادعنا ليلا، وما أن يأتي يوم الأحد حتى نجد أن يوم السبت قد أطل، فيمر اليوم وراء اليوم، والأسبوع بعد الأسبوع في سرعة مذهلة، ونحن نؤجل التواصل مع من نحب بسبب أمر دنيوي، أو نزغة شيطانية من أحدهم، لذلك إذا أخطأ أخاك في أمر ما، لا تلجأ لطرف ثالث بينكما، حتى لا يُأوَّل الحديث إلى ما لا تحمد عقباه، اذهب إليه وتحدث معه بصدق، وانصحه بقلب محب من باب الدين النصيحة، وتذكر أنك مفارقه والله وحده يعلم من الذي يسبق الآخر إلى دار القرار، وإذا كان قد أخطأ في حقك، فلا تتسرع في الحديث إليه مباشرة، بل كن من المحسنين مثلما كان سيدنا يوسف عليه السلام في قوله تعالى:{فَأَسَرَّهَا یُوسُفُ فِی نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ یُبۡدِهَا لَهُمۡۚ} (يوسف: 77)، عندما آذاه إخوته باتهامه بالسرقة، فرغم مقدرته على إسكاتهم بحكم منصبه حينها، لكنه آثر السكوت، بل إنه سامحهم على ما قالوا وما فعلوا في أروع صور الأخوة في قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: {قَالَ لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ} (يوسف: 92)، وعندما أتى بأبويه من فلسطين إلى مصر لم يشأ أن يُكدِّر والده سيدنا يعقوب بالشكوى من إخوته، بل أبلغه بكل أدب جميل كما جاء في قوله تعالى على لسانه عليه السلام: {بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ}(يوسف: 100)؛ حيث قدم نفسه عليه السلام في حديثه عن ما حدث بينه وبين إخوته اللذين يكبرونه سنا، وكانت هذه القصة من أعظم دروس الصبر والعلاقات الأسرية؛ فيعقوب عليه السلام نبي، ويوسف عليه السلام نبي أيضًا، لكن حدث بينهما ما يحدث بين الإخوة والأقارب في كل زمان ومكان، عندما يتربص الشيطان بنا ونحن عنه غافلون..

فالله الله في أحبتكم، وَالِديْن كانوا أو أبناء، أو إخوة، أو أصحابًا، لا تَسِنُّوا سكاكينكم لطعنهم، بل تفقدوهم إن غابوا، وعاتبوهم إن أخطأوا، وانصحوهم إن زلوا، وعاملوهم بمبدأ "الحب غير المشروط".

 

-----------------------------------

توقيع:

"تذكر يوم.. يوم

صرت أنا حديث الناس.

ومن منّه؟

منك يا أعز الناس!!

واليوم أقدم لك عذر،

 وإن كان لي عندك قدر.."

عبداللطيف البناي

الأكثر قراءة

z