عائشة بنت أحمد البلوشية
وصلنا إلى مستشفى تنعم، وكان الخبر قد انتشر في العراقي وعبري، فأدخلوني إلى غرفة الأشعة لأن وجهي كان ملطخًا بالدماء. وعندما وصف عمي ارتفاع المبنى، افترض الأطباء أن جسمي به العديد من الكسور، وارتجاج في المخ، لكن ألطاف الله كانت فوق كل حدث، فبعد الفحوصات الكثيرة والدقيقة، لم أُصب بأي كسر أو ارتجاج في المخ، وكل ما أُصبت به كان جرحًا في ذقني، حيث ضربني ذلك الأنبوب الذي لم يكن سوى ديكور، ولم يكن مثبتًا بشكل صحيح.
طبعًا، كان الخبر قد وصل إلى جميع الأهل والأقارب والمعارف، أي إنني أصبحت (ترند) بلغة اليوم، فهب الجميع للمساعدة. وكانت بنات أعمام والدي قد عرفن بالخبر وهن في المدرسة، فخرجن إلى الشارع باكيات من شدة الخوف، لأن من يتخيل تلك السقطة المريعة سيتوقع هلاكي. وهن لسن مجرد بنات عم وحسب، بل أخوات، نلعب معًا، ونضحك معًا، ونساند بعضنا بعضًا. وبينما هن يمشين في الطريق، استوقفهن أحد الشباب من ذوي المروءة عندما رأى بكاءهن، وسألهن إن كن يردن أي مساعدة، فقالت له إحداهن: إن ابنة عمنا سقطت من سطح المنزل، ونريد الذهاب إلى مستشفى تنعم. ولمن لا يعرف ولاية عبري، فإن العراقي تبعد حوالي 22 كيلومترًا عن تنعم. وعندما وصلن إلى المستشفى، كان الأهل جميعًا هناك، وما كان من عم الوالد، الشيخ عوض، إلا أن أمسك بالخيزرانة وأشبع بنات العم ضربًا لأنهن ركبْن مع شخص غريب.
وبقيت أنا في المستشفى مدة اثني عشر يومًا، وكل يوم تُجرى لي العديد من الفحوصات ليتأكدوا من سلامتي. وحتى كتابة هذه السطور، لا أدري كيف نجوت من تلك السقطة، إلا أن رحمة الله وعنايته حفتا بي، لأن الرأي الطبي -حينها- كان أنه يبدو أنني فقدت الوعي لحظة السقوط، فاسترخت عضلات الجسم، لذلك كان جسدي غير مشدود، بفضل الله، ولم أُصب بأي كسر أو شرخ.
أما باقي الحكاية، وهو أيضًا كيف يسوق الله الرزق للإنسان إلى بيته، فهو أن ذلك الشاب الذي أتى ببنات الأعمام إلى المستشفى، كان لنخوته جزء من نصيبه، حيث سأل عن إحداهن، وعرف ابنة من تكون، وتقدم لخطبتها، وتزوجا، وأنجبا الذرية من البنين والبنات. وعندما نسترجع تلك الذكريات، نسبح الله حمدًا على جميع عطاياه، فمن كان يدري أن سقوطي من سطح المنزل سيكون سببًا في زواجهما، وصدق الله العلي العظيم في محكم تنزيله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22).
وهكذا هي سنة الله في خلقه، فما نراه شرًّا نجد في باطنه خيرًا، ولا يُشترط أن نكتشف ذلك فورًا، فربما كان الخير بعد مدة، وربما يجده أبناؤنا، وربما نحصد ثماره في الآخرة. لذلك يجب أن نرى في كل عطايا الله خيرًا، حتى وإن بدت عكس ذلك، وأن أرزاقنا خُطت في اللوح المحفوظ، وأن علينا السعي بيقين تام بأنه لن يأتينا إلا الخير من الله. علينا أن نتمسك بالصبر، والسعي، والمثابرة، وأن نجعل الأمل بالله شمسًا تنير دروب حياتنا.
المهم أنني عدت إلى البيت، ووجدت أن دفتر تجاربي قد اختفى، وشجيرة التفاح قضت عليها الدجاجات، وتم تغيير قفل باب السطح، ولم أعرف مصير مزروعاتي. ورغم ما حدث لي، إلا إنني فكرت عدة مرات في صنع جسر ما بين سطحي المنزل، ولكن الحمد لله أنني انغمست في المذاكرة استعدادًا للشهادة الإعدادية العامة، حيث حصلت على مركز متقدم على مستوى منطقة الظاهرة -حينها-، ولا أزال على عهدي أحب الزراعة والأشجار، وأجري التجارب على استزراع بعض البذور، ومع وجود التقنيات الحديثة ومواقع التواصل أصبحت الأمور أكثر يُسرًا.
--------------------------------------------
التوقيع:
"هذا اللي خذته منها..
امشي بشوق.. وأحكي بشوق..
وأسكت بشوق...
دايم أخايل رسمها.
هي الحياة بالنسبة لي..
بحلوها وبمرها.. محتاج لها..
محتاج لها.."
الأمير بدر بن عبد المحسن
