د. إبراهيم بن سالم السيابي
كانت تلك أول مرة أغادر فيها عُمان للدراسة. كنت شابًا يفتح نافذة صغيرة على عالم واسع، يحمل في يده أحلامه، ويحمل في قلبه شيئًا من قلق البدايات. فالغربة لا تختبر قدرة الإنسان على النجاح فقط، بل تختبر قدرته على الإيمان بنفسه حين لا يكون حوله من يطمئنه.
وفي أحد الأيام، طرق باب شقتي أحد جيراني في السكن. لم تكن زيارة عابرة كما ظننت وقتها، فقد جاء يحمل معه شيئًا افتقدته في تلك الأيام؛ شعور القرب ودفء الوطن.
تحدثنا طويلًا، ووجدتني أحدثه عن صعوبة الطريق، وعن تلك الأصوات التي تجعل الإنسان أحيانًا يشك في اختياراته، وعن خوفي من ألا أكون قادرًا على تجاوز التحديات. استمع إليّ بهدوء، ثم قال كلمات قليلة، لكنها بقيت معي أكثر من سنوات طويلة: "لا تلتفت إلى كلام زملائك، ولا تجعل صعوبة البداية توقفك. اجتهد... وستعبر الطريق بإذن الله".
لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل كانت لحظة استعادة للثقة. بعض الكلمات لا تكبر لأنها طويلة، بل لأنها تأتي في الوقت الذي يحتاجها الإنسان.
غادر شقتي بعد تلك الزيارة القصيرة، لكنه ترك فيها أثرًا لم يغادر ذاكرتي إلى اليوم.
وكان ذلك الرجل من أبناء ظفار، ولم أكن أدرك يومها أن تلك الكلمات التي قالها لي في غربتي ستكون أول خيط يقودني إلى علاقة خاصة بهذه الأرض، وأن المكان الذي جاء منه سيصبح، مع الأيام، حاضرًا في ذاكرتي ووجداني.
ولعل الإنسان لا يعرف بعض الأماكن من خلال الخرائط، بل من خلال المواقف. فقد تدخل مدينة إلى ذاكرتك قبل أن تطأ أرضها، لأن شخصًا منها ترك في نفسك أثرًا لا يزول. وهكذا بدأت علاقتي بظفار؛ لم تبدأ من طريق طويل قطعته إليها، ولا من صورة رأيتها، بل بدأت من إنسان حمل معه شيئًا من روح المكان.
ومع مرور السنوات، كلما اقتربت من ظفار أكثر، أدركت أن تلك الكلمات التي سمعتها في بداية الطريق لم تكن مجرد تشجيع من زميل في الجامعة، بل كانت نافذة فتحت لي باب التعرف على أرض لها خصوصيتها، وعلى مجتمع يحمل في داخله مزيجًا نادرًا من الأصالة والهدوء والاعتزاز.
فالأماكن الخالدة لا تُعرف فقط بما تملكه من جمال، بل بما تتركه في نفوس من يقترب منها. وهناك أماكن نصل إليها بأقدامنا، وأماكن تصل إلينا قبل ذلك بكثير، لأن شيئًا منها سبق أن استقر في الذاكرة.
ليست ظفار مجرد مكان يقصده الناس في موسم معين، وليست مشهدًا جميلًا تلتقطه العدسات، بل هي تجربة إنسانية وحضارية متكاملة، تمتزج فيها الأرض بالإنسان، والتاريخ بالحاضر، حتى يصعب أن تفصل أحدها عن الآخر.
ولعل أول ما يلفت من يعرف ظفار ليس جمال طبيعتها وحده، وإنما ذلك الإنسان الذي يعيش فوق هذه الأرض ويحمل شيئًا من صفاتها؛ هدوءًا في التعامل، وبساطةً في القرب، وشهامةً صادقة، واعتزازًا بهويته دون تكلف أو استعراض. فالإنسان هو الذي يمنح المكان معناه، وهو الذي يحول الجغرافيا إلى علاقة، والمسافة إلى قرب. وربما لهذا السبب تبقى بعض الأماكن حاضرة في الذاكرة، لأننا لا نتذكر ما رأيناه فيها فقط، بل نتذكر من التقينا بهم، وما تركوه في نفوسنا من أثر.
وحين نقترب أكثر من ظفار، نكتشف أننا أمام أرض لم تبدأ حكايتها في الزمن القريب، بل كانت حاضرة في صفحات التاريخ منذ قرون. فمن هذه الأرض انطلق اللبان، لا بوصفه سلعة تجارية فحسب، بل بوصفه رسالة حضارية حملتها القوافل إلى أنحاء العالم، وجعلت من ظفار محطةً التقت عندها طرق التجارة، وتبادلت فيها الأمم معارفها وثقافاتها. ولذلك لم تكن ظفار يومًا على هامش التاريخ، بل كانت في قلبه، وما زال عبق ذلك التاريخ حاضرًا في آثارها، وفي ذاكرة أهلها، وفي اعتزازهم بإرثهم العريق.
وحين تتأمل طبيعة ظفار، تدرك أن جمالها لا يمكن اختزاله في موسم أو صورة. فالخضرة، والضباب، والجبال، والبحر ليست مجرد مشاهد تسر العين، بل هي حالة تعيد إلى الإنسان هدوءه الداخلي. وفي زمن أصبحت فيه الحياة أكثر سرعة وضجيجًا، تمنح ظفار زائرها فرصة نادرة لأن يتوقف قليلًا، ويتأمل كثيرًا، ويصالح نفسه مع إيقاع الحياة الذي افتقده.
ولهذا يعود الناس إليها عامًا بعد عام. فالأماكن الجميلة قد تدهشك للحظة، أما الأماكن التي تلامس الروح فإنها تدعوك للعودة إليها. ولو كان سر ظفار في الرذاذ لانتهت الحكاية مع انقضاء الموسم، لكن سرها الحقيقي أنها تترك في الإنسان ما يبقى بعد أن يجف الرذاذ، وبعد أن تنقشع السحب، وبعد أن تنتهي الرحلة.
ولم يكن من السهل أن تحافظ ظفار على روحها وهي تمضي في طريق التنمية، فالتحدي الحقيقي ليس أن تبني الطرق والمرافق والمشروعات، وإنما أن تبنيها دون أن تنتزع من المكان ملامحه. وقد نجحت عُمان في هذه المعادلة الصعبة، فبقيت ظفار كما عرفها محبوها؛ تزداد تطورًا عامًا بعد عام، دون أن تفقد هدوءها، أو خصوصيتها، أو جمالها الذي منحها مكانتها في قلوب زائريها.
وهكذا لم تعد الرحلة إلى ظفار رحلة إلى مكان فحسب، بل أصبحت رحلة إلى معنى؛ إلى أرض اجتمع فيها الإنسان، والتاريخ، والطبيعة، في صورة يصعب أن تتكرر.
وبعد سنوات طويلة من ذلك اللقاء الأول، ما زلت أتذكر الرجل الذي طرق باب شقتي في غربتي، ولا يعلم أن كلماته البسيطة كانت بداية طريق طويل، طريق قادني إلى مكان كلما عرفته أكثر، ازددت له تقديرًا واحترامًا.
أدركت مع الأيام أن بعض الرحلات لا تبدأ عندما نحزم حقائبنا، بل تبدأ بكلمة صادقة، أو بموقف عابر، أو بإنسان يترك في أعماقنا أثرًا لا يمحوه الزمن.
ولهذا، حين تُشدُّ الرحال إلى ظفار، فإنها لا تُشدُّ إلى أرض يانعة فحسب، ولا إلى تاريخ عريق وحده، بل تُشدُّ إلى مكان يعرف كيف يترك في القلب أثرًا، وفي الذاكرة حنينًا، وفي النفس رغبةً لا تنتهي في العودة.
