◄ عُمان وإفريقيا: ذاكرة بحرٍ لم تنطفئ ورسالة عِلمٍ تستأنف طريقها
◄ البحر الذي يفصل عُمان عن إفريقيا لم يكن يومًا جدارًا بينهما.. وإنما جسرٌ
◄ العُماني ذهب إلى أفريقيا ليكون شريكًا في صناعة الحياة
◄ مجلس البرطماني لم يكن مجلسًا مغلقًا على قوم أو لون أو وطن
◄ طلب العلم كان العنصر الجامع للأفارقة.. والحضارة العُمانية لم تكن قصور وسفن وأسواق
◄ اللغة العربية تركت أثرًا بارزًا في "السواحيلية" عبر مفرداتها وثقافتها
◄ لم تأت السواحيلية من شعب واحد في لحظة واحدة ولم يصنعها قوم بمفردهم
◄ فكرة مؤسسة «اقرأ» الخيرية وُلِدت في ولاية سِكونجي بإقليم تابورا
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
هناك أسفارٌ يقطعها الإنسان بالجسد، وأسفارٌ أخرى تقطعه هي من الداخل؛ وهذه الرحلة من مسقط إلى دار السلام، ثم إلى أعماق تنزانيا، لم تكن بالنسبة إليّ انتقالًا بين مطارات وطرق ومدن؛ كانت عبورًا في طبقات الزمن، حتى خُيّل إليّ أنني لا أسير فوق أرض إفريقيا وحدها، بل أسير فوق آثار أجيالٍ عُمانية تركت في هذه القارة شيئًا من تجارتها، وعلمها، وثقافتها، وبيوتها، ومساجدها، وأسماء رجالها، وأعظم من ذلك كله: أثر الإنسان في الإنسان.
كلما ابتعدتُ عن الساحل، شعرت أن البحر الذي يفصل عُمان عن إفريقيا لم يكن يومًا جدارًا بينهما. كان جسرًا. وكانت زنجبار إحدى أعظم حلقاته؛ ففي مرحلة من مراحل التاريخ العُماني أصبحت زنجبار مركزًا سياسيًا وعمرانيًا وتجاريًا مهمًا في الدولة العُمانية، واتصلت عبرها عُمان بشرق إفريقيا اتصالًا لم يكن تجاريًا محضًا، وإنما كان اتصالًا بشريًا وحضاريًا عميقًا.

واليوم، وأنا أتنقل في تنزانيا، لم أكن أبحث عن عُمان.
لكنني كنت أجدها.
أجدها في أسماء، وفي عائلات، وفي حكايات كبار السن، وفي آثار بيوت ومساجد، وفي ذاكرة لا تزال تحتفظ بصورة العُماني الذي جاء إلى إفريقيا، لا بوصفه غريبًا عنها، بل شريكًا في صناعة الحياة.
وكانت المفاجأة الأكبر أن آثار ذلك الحضور لا تقف عند زنجبار ودار السلام؛ بل تمتد عميقًا في الداخل.
حتى تابورا، وإيجونجا، وشينيانجا، وموانزا، وكيجوما، وغيرها من المحافظات والولايات في البر التنزاني.
هناك، في قلب اليابسة، بدأ التاريخ يفتح لي صفحة أخرى.
محافظة تابورا التنزانية
تابورا.. حين يصبح المكان ذاكرة
تلفتني في تنزانيا بنية المدن والوحدات الإدارية؛ فإقليم تابورا اليوم يضم عددًا من المناطق المحلية، منها سِكونجي وكاليوا وأورامبو وأويُوي وغيرها، في نظام إداري حديث له سماته الخاصة، لكنه يوقظ لدى القادم من عُمان إحساسًا بالمحافظات والولايات والقرى التي اعتادها في بلده.
غير أن الجغرافيا لم تكن أكثر ما أثار دهشتي.
لقد كان الإنسان.
كان أولئك الذين لا تزال في ذاكرتهم آثار رجالٍ سبقونا.
وكان من بين رفاق رحلتي ثلاثة من الشباب العُمانيين الكرماء، يحمل كل واحد منهم شيئًا من ذلك النور الذي يجعل الإنسان يرى رسالته في الحياة أكبر من ذاته.
وكان أحدهما من أحفاد عالمٍ عُماني ربّاني ترك في إفريقيا أثرًا يستحق أن يُعاد اكتشافه.
إنه العالم المُربِّي الشيخ حمود بن حميد البرطماني! اسمٌ يشبه تمامًا العالم الرباني والمربي الشيخ حمود بن حميد الصوافي السناوي! اسمٌ كلما ذكرتُه أمام أهل العلم في عُمان استدعى إلى ذهني أسماء العلماء المربين الذين لم تكن مجالسهم مجرد مجالس علم، وإنما كانت مواقد نور.
وقد قيل لي، وشهدتُ من آثار ذلك في هذه الرحلة، أن مجلس البرطماني لم يكن مجلسًا مغلقًا على قوم أو لون أو وطن.

جاءه الناس من رواندا، وبوروندي، ومالاوي، وجنوب السودان، وأوغندا، والكونغو، وممباسا، ومن مناطق مختلفة من شرق إفريقيا والصومال، ولقد جالست صوماليًا منهم روى لي سيرة الشيخ المربي البرطماني، وكيف أن ذهابه إلى سلطنة عُمان في عام 1982 حين ذهب العلم معه وأظلمت كل إفريقيا ورأيت تأثره وحزنه ودموعه، وكيف كان مضيافًا ومهابًا في الدولة، ويؤخذ بقوله ويعتد بمشورته؛ فقد كان مرجعًا للحكومة التنزانية والعُمانية في آنٍ واحد.
لم تكن وجوههم واحدة- الأفارقةَ قصدتُ- ولم تكن ألسنتهم واحدة. ولكن الذي جمعهم كان واحدًا: طلب العلم. وهنا فهمتُ شيئًا من سر الحضارة العُمانية في إفريقيا. لم تكن الحضارة العُمانية هناك مجرد قصور وسفن وأسواق.
كانت أيضًا مُعلِّمًا يجلس أمامه التلميذ.
وكانت مدرسة.
وكانت مسجدًا.
وكانت كتابًا.
وكانت لغةً مشتركة.
وكانت أخلاقًا يمارسها الإنسان قبل أن يتحدث عنها.
من البحر إلى البر.. ومن التجارة إلى التعليم
كثيرًا ما تختصر الروايةُ التاريخية الحضورَ العُماني في شرق إفريقيا في التجارة والموانئ والسياسة. وهذا اختزال شديد؛ فالتاريخ الحقيقي لا تصنعه السفن وحدها.
السفينة تحمل البضائع، لكن الإنسان هو الذي يحمل الفكرة. والعُمانيون، مع غيرهم من العرب والأفارقة وغيرهم ممن عاشوا على الساحل الشرقي لإفريقيا، كانوا جزءًا من بيئة تاريخية طويلة نشأت فيها السواحيلية بوصفها لغة بانتوية إفريقية تفاعلت بصورة عميقة مع العربية وغيرها من اللغات، حتى أصبحت مع الزمن لغة تواصل واسعة في شرق إفريقيا.
وكان للعربية أثر بارز في السواحيلية، في مفرداتها وثقافتها، كما استُخدم الحرف العربي تاريخيًا في كتابة السواحيلية قبل شيوع الأبجدية اللاتينية في العصر الحديث.
وهنا تكمن إحدى أعظم القصص التي لم تُكتب بما يكفي: أن اللغة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب.
لم تأت السواحيلية من شعب واحد في لحظة واحدة، ولم يصنعها قوم بمفردهم؛ وإنما نمت عبر قرون من التفاعل بين مجتمعات الساحل الإفريقي وشعوب المحيط الهندي.
حينها تدخل أحفاد الخليل بن أحمد الفراهيدي العُماني ابن ودام الساحل بولاية المصنعة بسلطنة عُمان، فجمعوها وأسقطوا عليها النحو العربي بمفاعيله وفعوله وأنغامها ومخارجها حتى أصبحت لغة يتحدث بها أكثر من مائتي مليون في العالم لما دخل على السواحيلية الجمال في القول والنغم والمعنى.
وهنا الحضارة الحقيقية لا تقول: "أنا وحدي صنعت كعُماني كل شيء، ولكني نظمت بقلمي كل اللغة".
وأتواضع كعُماني وأقول: "جئت بما عندي، وأخذت مما عندك، ثم صنعنا معًا شيئًا أكبر منا".
وهكذا كانت السواحيلية إحدى ثمار التلاقي الحضاري بين إفريقيا والعالم العربي والمحيط الهندي.
ثم جاء الانقطاع، لكن التاريخ لا يسير دائمًا في خط مستقيم. تبدلت الأنظمة. وتغيرت الظروف. وجاءت على زنجبار وشرق إفريقيا تحولاتٌ سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. وكان من آثار تلك التحولات أن غادر عدد كبيرٌ من العُمانيين إفريقيا، وفقد كثير منهم أملاكًا ومصالح ومواضع استقرار كانت قد تراكمت عبر أجيال.
وفي تلك اللحظة لم يغادر رجلٌ عُمانيّ وحده. كانت معه مدرسة. وكان معه شيخ. وكان معه كتاب. وكان معه نظام اجتماعي. وكانت معه ذاكرة.
وهنا يعلم السواحيليون أنفسهم أن لغتهم الأصلية رحلت كما هي إلى مسقط عُمان. وهنا ينبغي أن نفهم شيئًا بالغ الأهمية: حين يغيب المعلم، لا يختفي العلم في اليوم نفسه؛ لكنه يبدأ بفقدان صوته. ثم يمر جيل. ثم جيل تالٍ، وهكذا. ثم يبقى المسجد، لكن يقل المصلون. ويبقى المحراب، لكن ينسى بعض الناس ما يقال فيه.
ويبقى الاسم الإسلامي، لكن تضعف الصلة التي صنعت ذلك الاسم.
وهذه ليست مأساة تنزانيا وحدها.
إنها سُنَّة تاريخية عرفتها أمم كثيرة عندما انقطعت السلاسل العلمية والتربوية.
الاسم بقي.. فأين المعنى؟
وهذه من أكثر الصور التي هزتني في هذه الرحلة.
قد تسمع: زينب، خديجة، فاطمة، حسينة وعائشة.
وقد تسمع: عبدالله، أحمد، محمد، ناصر وعلي.
وقد تجد اسمًا مركبًا بجورج أو مايكل يحمل أثرًا من تاريخ طويل من التعايش والتداخل الثقافي.
لكن الاسم وحده لا يكفي؛ فالاسم قد يكون آخر خيط في الثوب.
أما الإيمان والعلم والعمل فهي الثوب كله.
قد يبقى اسم محمد، بينما لا يعرف صاحبه شيئًا عن فاتحة الكتاب. وقد يبقى اسم عبدالله، بينما لا يعرف صاحبه كيف يتوضأ. وقد يبقى المسجد قائمًا، بينما لا يعرف أهل القرية كيف يؤدون الصلاة.
وهنا تكون المأساة الحقيقية: أن يبقى الشكل بعد أن يتلاشى المعنى. وأن يبقى المِحراب شاهدًا على صلاةٍ كانت هنا، ثم لا يجد من يقف فيه.
المسجد الذي ينتظر
دخلتُ إلى بعض القرى، ورأيت ما جعل الصورة أقسى من أن توصف.
مساجد متواضعة.
محاريب صامتة.
أماكن كانت ذات يوم بيوتًا للصلاة والتعليم، ثم أخذ منها الزمن بعض وظيفتها.
وأصبح المسجد في بعض المواضع لا يُستدعى إلا عندما يأتي الموتى لأنه مكان طارقة الموتى التي تحملهم إلى باطن الأرض؛ فتدخل إليه الجنازة للصلاة، ويخرج منها الميت إلى مثواه الأخير.
وكأن المسجد الذي كان ينبغي أن يكون بابًا للحياة أصبح في الذاكرة الشعبية آخر محطة قبل الرحيل.
عندها سألت نفسي: أين تبدأ العودة؟
هل نبدأ ببناء مسجد جديد؟
أم نبني مدرسة؟
أم نرسل معلمًا؟
أم نعيد اللغة العربية؟
أم نعلّم الطفل الفاتحة؟
ثم أدركت أن الإجابة ليست في واحد منها منفردًا.
إنها في إعادة بناء الإنسان.
من نسل البرطماني هيثم وخليله حميد الشعيلي.. يعود السؤال
وهنا تبدأ الحكاية التي حملتني من الدهشة إلى الأمل؛ فقد وجدت في هذه الرحلة شابين عُمانيين، من أبناء الداخل العُماني، يحملان في قلبيهما همًا لا يخصّهما وحدهما.
هما هيثم البرطماني وخليله حميد الشعيلي، من نسل ذلك العالم الرباني المربي حمود بن حميد البرطماني.
كأن التاريخ، بعد نصف قرن وأكثر، قرر أن يعيد السؤال إلى أحفاد تلاميذه:
ماذا ستفعلون بالنور الذي حمله أجدادكم؟
لم يكن الجواب بالكلام.
كان بالفعل.
وهكذا ولدت فكرة مؤسسة «اقرأ» الخيرية في ولاية سِكونجي بإقليم تابورا، يشاركهم في إقامتها نخبة من الأخيار المباركين.
ولم يكن الاسم عابرًا.
«اقرأ» أول كلمة في الوحي. أول باب في مشروع المعرفة. أول إعلان بأن الطريق إلى إصلاح الإنسان يبدأ من التعليم.
«عملٌ فأثر»
اختارت المؤسسة شعارًا بالغ الدلالة: «عملٌ فأثر». ولست أرى شعارًا أصدق من هذا لمشروع يريد أن يعيد بناء ما انقطع؛ فالكلام لا يكفي. والحنين لا يكفي. والبكاء على الماضي لا يكفي. حتى المحبة وحدها، على عظمتها، لا تكفي.
الذي يبقى هو: عملٌ يصنع أثرًا. معلم يعلّم طفلًا. طفل يكتسب عِلمًا. أب يتعلم كيف يصلي. أمٌّ تعرف كيف تعلّم أبناءها. شابٌّ يتعلم العربية. قرية تستعيد مسجدها. طالب يصبح بعد سنوات معلمًا. ثم يصبح ذلك المعلم سببًا في تعليم عشرات غيره.
هنا فقط تبدأ السلسلة من جديد.
لماذا العربية أولًا؟
لأن القضية ليست تعليم لغة أجنبية. العربية في هذا المشروع ليست مجرد مادة دراسية. إنها مفتاح للوصول إلى القرآن لمن أراد أن يتصل بالمصدر بلغته الأصلية.
ومن هنا تأتي قيمة أن يتعلم الطفل قراءة الحروف، ثم الكلمات، ثم الفاتحة، ثم القرآن، ثم يفهم ما يقرأ. لكن المشروع الأجمل أن لا تتوقف «اقرأ» عند تعليم الحروف؛ فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يحفظ الصوت فقط. إنه يريد منه أن يفهم، ويعقل، ويعمل. ومن هنا يصبح تعليم العربية وسيلة إلى إعادة بناء الصلة بالقرآن، ويصبح تعليم الفاتحة مدخلًا إلى الصلاة، وتصبح الصلاة مدرسة يومية للإنسان، ويصبح المسجد من جديد قلب القرية. وهكذا يعود الدين لا بوصفه اسمًا في بطاقة الهوية، بل نورًا في السلوك والحياة.
السادس من أغسطس 2026.. يومٌ يستحق أن يُذكر
وفي يوم الخميس، السادس من أغسطس عام 2026، شهدتُ افتتاح مؤسسة «اقرأ» الخيرية في سِكونجي.
وكان المشهد بالنسبة إليّ أكبر من افتتاح مبنى. كان أشبه بإعلان: أن شيئًا انقطع بدأ يعود. كان الافتتاح برعاية وحضور من الجانب الحكومي التنزاني، وجمع من المسلمين والمسيحيين، وشخصيات اجتماعية، وأناسٍ من ذوي الأصول العُمانية، ورجال أعمال، وأهل المنطقة.
وهنا كانت الصورة الأجمل. لم يكن المشروع بابًا للانقسام؛ بل باب للخدمة.
وكان من أجمل ما يروى في هذا اليوم أن رجل أعمال من أصول عُمانية اسمه يوسف بن سليمان المحروقي من أهل سِكونجي تبرع بمساحة تبلغ 10000 متر مربع، ثم مُدّدت بعد ذلك بجهود أهل الخير لتصل إلى نحو 14000 متر مربع، وبمبنى يليق بأن يحتضن أعمال المؤسسة وأنشطتها بعد أن كانت محطة تعبئة وقود مربحة جدًا.
إن هذا الموقف يحمل معنى يتجاوز قيمة الأرض والمبنى والمال.
إنه يقول: إن الخير حين يأتي صادقًا لا يعرف لونًا ولا قبيلة ولا حدودًا. وإن إفريقيا التي أعطت العُمانيين أرضًا وبيتًا وتاريخًا، ما زالت قادرة على أن تفتح لهم أبوابًا جديدة للعمل المشترك.
ليست عودة العُمانيين إلى إفريقيا؛ بل عودة الرسالة
وهنا أجدني مضطرًا إلى تصحيح صورة قد تتبادر إلى الذهن. المطلوب ليس أن تعود عُمان إلى إفريقيا كما كانت في الماضي؛ فالتاريخ لا يعود إلى الوراء. ولا ينبغي له أن يعود. المطلوب أن تعود الرسالة.. أن يعود المعلم.. أن يعود الكتاب.. أن تعود المدرسة.. أن يعود المسجد إلى دوره التربوي.. أن تعود الأخلاق.. أن تعود المعرفة.. أن يعود التعاون بين الإنسان العُماني وأخيه الإفريقي على قاعدة الاحترام والشراكة والمنفعة المتبادلة؛ فإفريقيا اليوم ليست إفريقيا الأمس. وتنزانيا اليوم دولة ذات سيادة تحظى باحترام سلطنة عُمان والعُمانيين؛ فهي بلاد مؤسسات وشعب عريق، ولا تحتاج إلى من يأتيها بعقلية الوصاية.
إنها تحتاج إلى شريك يحترمها ويؤمن بقدرة أبنائها.
وهذه- في ظني- هي أجمل صورة يمكن أن تحملها عُمان إلى العالم:
لا صورة الفاتح. ولا صورة المستعمر. ولا صورة التاجر وحده؛ بل صورة المعلم والشريك والباني.
من نزوى إلى تابورا
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنني وجدت في ذاكرتي العُمانية صورة نزوى.
نزوى التي ارتبط اسمها بالعلم والفقه والمدارس والمساجد والعلماء.
ثم وجدت في تابورا حكاية رجلٍ أراد أن يجعل من مجلس العلم فيها منارة تستقبل القادمين من أنحاء إفريقيا.
كأن الجغرافيا تغيرت.
لكن الفكرة بقيت.
نزوى في عُمان.
وتابورا في إفريقيا.
والمعلم في الحالتين يجلس أمام تلاميذه.
والكتاب بين أيديهم.
والسؤال واحد: كيف نصنع إنسانًا يعرف ربه، ويعرف كتابه، ويحسن إلى الناس، ويبني الأرض؟
إن الحضارة لا تُقاس بعدد القصور التي خلفتها؛ بل بعدد العقول التي أنارتها.
وهنا تبدأ الحكاية الجديدة
لستُ أدري ماذا سيكتب المؤرخون بعد خمسين سنة من يوم السادس من أغسطس 2026.
لكنني أعرف ماذا رأيت.
رأيتُ شابّين عُمانيّين ومعهما فريق مخلص لم ينظروا إلى التاريخ باعتباره صورة معلقة على جدار؛ بل رأوه أمانة.
رأيتُ حفيد عالمٍ يعود إلى الأرض التي عاش فيها جده.
رأيتُ إفريقيا تستقبل أبناء عُمان مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليس بحثًا عن طريق تجارة، وإنما بحثًا عن طريق علم.
ورأيتُ مؤسسة صغيرة في بدايتها، لكن خلفها سؤال كبير:
هل نستطيع أن نُعيد إشعال المصباح؟
والجواب عندي: نعم.
لكن ليس بالكلمات؛ بل بالعمل.
ولهذا كان الشعار بليغًا: «عملٌ فأثر»؛ فالمصباح لا يضيء لأننا نصفه بالنور. إنما يضيء حين نشعل فيه الفتيل.
رسالة إلى عُمان
يا عُمان ويا أهل عُمان.. ربما لا تحتاج إفريقيا اليوم إلى أن نخبرها كثيرًا عمّا فعل أجدادنا.
يكفي أن ترى ما سنفعله نحن. فإن كان أجدادنا قد عبروا البحر بالسفن، فليعبر أبناؤنا البحر بالعلم.
وإن كانوا قد بنوا الأسواق والبيوت، فليبنِ أبناؤنا المدارس. وإن كانوا قد تركوا المساجد، فليعِد أبناؤنا إليها الحياة. وإن كانوا قد شاركوا في صناعة جسور التواصل بين الشعوب، فليواصل أبناؤنا بناء الجسور بلغة العلم والرحمة والتنمية والشراكة.
ولعل أجمل الوفاء للماضي ألا نقف طويلًا عند قبور إنجازاته؛ بل أن نحوّل ذكراه إلى إنجاز جديد.
وإلى تنزانيا..
أيتها الأرض التي احتضنت أجيالًا من العُمانيين.. شكرًا.
شكرًا لأنك لم تبتلعي الذاكرة.
شكرًا لأن أسماء الرجال لا تزال تمشي في حكاياتك.
شكرًا لأن أبناءَك ما زالوا يحتفظون بآثار ذلك التلاقي الطويل.
وشكرًا لأنك فتحت اليوم بابًا جديدًا لشراكة لا تقوم على الماضي وحده، بل على المستقبل.
إننا لا نريد أن نعيد التاريخ.
نريد أن نتعلم منه.
ولا نريد أن نقول إن العُمانيين كانوا هنا فقط؛ بل نريد أن نقول: كانوا هنا، ثم جاء أبناؤهم ليسألوا: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟

كلمة إلى هيثم وحميد...
يا ابنيْ البرطماني والشعيلي ذريةً وخلقًا ومسيرا.. لقد ورثتما اسمًا، لكن الأسماء وحدها لا تورث المجد.
المجد يُورث عندما يحمل الابن رسالة أبيه، ثم يضيف إليها من زمانه ما يجعلها صالحة للغد.
لقد كان جدكما معلّمًا عُمانيًا في إفريقيا.
واليوم أنتما ومن معكما أمام امتحان من نوع آخر: هل تستطيعان أن تجعلا من ذكرى الجد مستقبلًا للأحفاد؟
إن نجحتما، فلن تكونا قد بنيتما مؤسسة؛ بل تكونان قد أعدتما وصل حلقة في سلسلة انقطعت طويلًا. وسيكون أجمل ما يمكن أن يقال عنكما بعد سنوات: إنهما لم يكتفيا بأن يكونا حفيدي عالمٍ؛ بل أصبحا امتدادًا لرسالته.
حين يصبح البحر ذاكرةً
وأنا أعود بذاكرتي إلى الطريق من مسقط إلى دار السلام، ثم إلى تابورا، أشعر أن البحر الذي يفصل عُمان عن إفريقيا صار في عيني شيئًا آخر.
لم يعد بحرًا.
صار ذاكرة.
وصارت السفن القديمة كأنها صفحات من كتاب.
وصار الميناء فصلًا.
وصار المسجد صفحة.
وصار المعلم نقطة ضوء.
وصار الطفل الذي يتعلم الفاتحة اليوم امتدادًا لرجلٍ ربما علّم جده قبل عقود.
وهكذا لا يموت التاريخ كله.
بعضه ينام.
ثم تأتي لحظة توقظه.
وربما كانت «اقرأ» واحدة من تلك اللحظات.
وفي النهاية..
لا أدري هل نحن الذين ذهبنا إلى إفريقيا.. أم أن إفريقيا هي التي أخذتنا إلى أعماق أنفسنا.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن الإنسان إذا سار في الأرض بقلب مفتوح، رأى ما لا تراه العين وحدها. رأى آثار الله في خلقه. ورأى كيف تتغير الدول والأنظمة، ويبقى الإنسان. ورأى كيف تذهب الإمبراطوريات، وتبقى الكلمة الطيبة. ورأى كيف يسقط الحجر، ويبقى العلم. ورأى كيف يموت العالم، لكن تلاميذه يحملون صوته. ورأى كيف يمكن لمؤسسة صغيرة أن تكون في حقيقتها بذرة لشجرة لا نعرف نحن مدى ظلها.
ولذلك، فإنني حين أنظر إلى الأرض التي احتضنت «اقرأ» في سِكونجي، لا أرى أربعة عشر ألف متر مربع فقط.
أرى 14 ألف متر مربع من رجلٍ من المحاريق "المحروقي" العُمانيين الأصل.
ولا أرى مبنىً تبرَّع به رجلٌ من أهل تنزانيا.
أرى يدًا إفريقية تمُد يَدها إلى يَدٍ عُمانية.
ولا أرى شابين فقط ومن معهما.
أرى جيلًا جديدًا يقول للتاريخ: لن نعيش على أمجاد من سبقونا، ولن ننسى فضلهم. سنأخذ من الماضي نوره. ومن الحاضر عمله. ومن المستقبل أمله. ثم نمضي؛ لأن الله سبحانه لم يجعل الإنسان خليفة في الأرض ليجلس فوق آثار من سبقوه، وإنما ليعمرها بالحق والخير والعلم.
وقد تكون أعظم عبارات الرحلة كلها أبسطها: اقرأ.
ثم: اعمل.
ثم: اترك أثرًا.
وهكذا.. من مسقط إلى زنجبار. ومن زنجبار إلى تابورا حتى موانزا.
ومن العالم الرباني والمُربِّي البرطمانيّ إلى أحفاده.
ومن الجد إلى الحفيد.
ومن المسجد الصامت إلى الطفل الذي يتعلم الفاتحة.
ومن الماضي إلى المستقبل..
يعود النور.
لا لأنه نور العُمانيين وحدهم.
ولا لأنه نور التنزانيين وحدهم.
ولكن لأنه نورٌ إذا أُريد به وجه الله، لا يعرف الحدود.
و﴿للَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وما نحن إلا عابرون في هذه الأرض، نحمل قبسًا، ثم نسلّمه لمن بعدنا.
فإن أفلحنا؛ فقد كان ذلك من فضل الله.
وإن أشرق الأثر؛ فليس لنا فيه إلا أن نقول: الحمد لله الذي أحيى بعد انقطاع، وفتح بعد إغلاق، وأذِن لنورٍ أن يعود إلى موضعه.
«اقرأ».. «عملٌ فأثرٌ».
