ضرورة الصيام الرقمي

 

أنيسة الهوتية

 

أحيانًا ينتاب بعض زملائي ومعارفي، وبالأخص الجدد منهم، نوبات غضب مكتومة حول لماذا لا أرد عليهم مباشرة حين يتصلون، أو يرسلون رسائل عبر وسائل التواصل المتعددة التي أمتلكها، إلّا أن من يعرفني منذ فترات بعيدة يعرف طبعي، ويرد عليهم نيابة عني: هي أقفلت الصناديق الخاصة بها على جميع منصات التواصل الاجتماعي منذ بدأت استخدامها. والوسيلة النشطة فقط الواتساب والإيميلات الرسمية.

ثم آتي أنا وأضيف الملح على ردهم: المعذرة، فأنا عندي برنامج صيام متقطع. يردون: وما دخل الصيام بحديثنا؟

أقول: صيام إلكتروني، أتبعه كحمية أساسية لأعيش حياة متوازنة متناسقة بين كل زوايا حياتي وأركانها.

وكنت أقولها محاولةً لتمليح الرد، ولكن تفاجأت مؤخرًا أن الصيام الإلكتروني برنامج دولي بدأ عام 2011م، ثم اختفى، والآن بدأ الترويج له مرة أخرى وبقوة، كما هو الترويج للصيام المتقطع البيولوجي.

فقد أصدر الكاتب والصحفي الأمريكي دانيال سيبرج (Daniel Sieberg) كتابًا عام 2011 بعنوان "الحمية الرقمية (The Digital Diet)". في هذا الكتاب، يناقش سيبرج فكرة أن الإنسان يحتاج إلى "نظام غذائي رقمي" تمامًا كما يحتاج إلى نظام غذائي للطعام، أي تنظيم طريقة استخدامه للتكنولوجيا، بدل الإفراط فيها أو الانقطاع الكامل عنها. وقد عمل سيبرج في مجال الصحافة التقنية لسنوات طويلة، وظهر في وسائل إعلام عالمية كمراسل ومقدم برامج، مما جعله قريبًا من فهم تأثير التكنولوجيا على حياة الناس اليومية. ومن المهم توضيح أنه ليس طبيبًا نفسيًا، بل كاتب وصحفي متخصص في الإعلام والتقنية.

وذكر فكرة الصيام الرقمي على أنها تقوم على الامتناع المؤقت عن استخدام الأجهزة الرقمية أو تقليل استخدامها بشكل واعٍ، بهدف استعادة التوازن الذهني والنفسي. ومن أبرز فوائد هذا الصيام تحسين التركيز؛ لأن تقليل الإشعارات والتصفح العشوائي يساعد الدماغ على العمل بعمق أكبر دون تشتيت. كما يسهم في تقليل التوتر والقلق الناتج عن المقارنات المستمرة في وسائل التواصل الاجتماعي أو ضغط الرسائل المستمرة. إضافة إلى ذلك، يساعد الصيام الرقمي في تحسين جودة النوم من خلال تقليل استخدام الشاشات قبل النوم، مما يقلل التعرض للضوء الأزرق. كذلك يعزز الإنتاجية، ويمنح الشخص فرصة لاستخدام وقته في أنشطة أكثر فائدة، مثل الدراسة، أو ممارسة الهوايات، أو التواصل الواقعي مع الآخرين. كما أنه يساعد على تقليل الإدمان الرقمي وزيادة الوعي بطريقة استخدام الوقت.

وذكر أن الفرق بين العالم الرقمي والعالم الافتراضي مهم لفهم طبيعة التقنية الحديثة. فالعالم الرقمي هو المفهوم الأشمل، ويشمل كل ما يتعلق بالتكنولوجيا والإنترنت، مثل التطبيقات، والمواقع، والبريد الإلكتروني، والخدمات الإلكترونية المختلفة. وهو البيئة العامة التي نستخدم فيها الأجهزة الذكية يوميًا. بينما العالم الافتراضي هو جزء محدد من العالم الرقمي، يتميز بأنه بيئة تفاعلية تحاكي الواقع أو تصنع عوالم خيالية، مثل ألعاب الفيديو ثلاثية الأبعاد أو تقنيات الواقع الافتراضي والميتافيرس؛ حيث يمكن للمستخدم الدخول بشخصية رقمية والتفاعل داخل عالم شبه واقعي. ويمكن القول إن العالم الافتراضي هو "تجربة داخل العالم الرقمي"، وليس العالم الرقمي كله.

ومع تطور التكنولوجيا، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ولذلك من المهم اتباع بعض النصائح للتعامل معه بوعي. أولًا، يجب استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس كبديل كامل للتفكير البشري، حتى لا يعتمد الإنسان عليه بشكل مفرط. ثانيًا، من الضروري التحقق من المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، وعدم قبولها بشكل تلقائي. ثالثًا، يجب الحفاظ على الخصوصية، وعدم مشاركة بيانات حساسة مع أي تطبيقات غير موثوقة. وأخيرًا، من المفيد تطوير مهارات التفكير النقدي؛ لأن المستقبل سيعتمد على قدرة الإنسان على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة في بيئة رقمية متسارعة.

ويُنظر إلى فكرة الصيام الرقمي اليوم على أنها أحد أساليب "الصحة الرقمية"؛ حيث بدأ الكثير من الخبراء في مجالات التكنولوجيا والصحة النفسية بالحديث عن أهمية تحقيق توازن بين الحياة الواقعية والعالم الرقمي. فالاستخدام المفرط للأجهزة قد يؤدي إلى الإرهاق الذهني، بينما الاستخدام الواعي يمنح الإنسان قدرة أكبر على التركيز والإبداع. لذلك فإن الهدف الأساسي ليس الابتعاد عن التكنولوجيا، بل استخدامها بطريقة ذكية ومعتدلة تحقق الفائدة دون أن تتحول إلى عبء يومي.

الأكثر قراءة

z