الرجل يقرأ المرأة.. والمرأة تكتب الرجل

 

 

أنيسة الهوتي

كانت جدتي تقول: الرجل يقرأ المرأة... والمرأة تكتب الرجل.

هذه المقولة أقنعتني بأن المرأة مؤلفة، والرجل قارئ. طبعًا لا أتحدث عن التأليف والقراءة فعليًا، إنما عن العلاقة الناجحة بينهما. وعندما يبدأ الرجل بالتأليف، والمرأة بالقراءة، تنعكس العلاقة بينهما من النعيم إلى الجحيم تدريجيًا.

فالرجل يقرأ المرأة، ويشعر بها، وبعالمها، ومشاعرها، وتأخذه هي في تلك السطور حتى يدمن قراءتها صفحةً وراء صفحة... والمرأة تكتب الرجل، تصفه كما تشاء دون أن تفرض عليه، ودون أن يشعر بذلك.

القراءة ليست فقط مطالعةً للكتب، والكتابة ليست فقط حبرًا على الورق. حين نقول: "الرجل يقرأ المرأة، والمرأة تكتب الرجل"، فنحن نصف طريقتين مختلفتين في الحب وفي صناعة الوجود. فالرجل يقضي عمره وهو يقرأ المرأة التي يحبها، يفسر نظراتها، ويبحث عن معنى صمتها، ويحاول أن يفهم عالمًا لا يُختصر في الكلمات. أما المرأة، فهي لا تكتفي بفهم الرجل، بل تكتب شخصيته؛ تضيف إلى روحه، وتهذب طباعه، وتترك أثرها في قراراته، حتى يصبح بعد سنوات روايةً شاركت هي في تأليفها.

يُروى أن حكيمًا سأل شابًا مقبلًا على الزواج: "هل تعرف المرأة التي اخترتها؟" فأجاب بثقة: "لقد قرأت كل ما فيها". ابتسم الحكيم وقال: "أتعتقد ذلك!؟ فإنها رواية متجددة". وبعد أعوام عاد الشاب إليه وقال: "كلما ظننت أنني وصلت إلى الصفحة الأخيرة، اكتشفت أنني كنت ما أزال في المقدمة". فالمرأة ليست نصًا يُستهلك، بل كتاب يتجدد كلما تغيّر الزمن وتبدلت الحياة.

وفي حكاية أخرى، كان رجل معروفًا بحدته وقسوته، حتى تزوج امرأة لم تحاول أن تغيره بالمواعظ ولا بالجدال. اكتفت بأن تمنحه الاحترام عندما يستحقه، والصمت عندما يغضب، والكلمة اللطيفة عندما يضعف. وبعد سنوات قال أحد أصدقائه: "لقد أصبحت رجلًا آخر". ابتسم وقال: "أنا لم أتغير وحدي... لقد كتبتني امرأة كانت تعرف أين تضع كل كلمة في كل نص".

وتقدم نظرية اللدونة العصبية (Neuroplasticity) تفسيرًا علميًا ينسجم مع هذا المعنى؛ إذ تؤكد أن الدماغ يعيد تشكيل نفسه باستمرار تبعًا للتجارب والعلاقات المتكررة. فالإنسان لا يولد بشخصية جامدة، بل يعاد تشكيل أنماط تفكيره واستجاباته مع الزمن. ولهذا فإن العلاقة العميقة قد تترك أثرًا حقيقيًا في شخصية الإنسان، حتى يبدو وكأن شخصًا آخر قد أعاد كتابة بعض فصول حياته.

ومن الناحية الأدبية، اختير فعل "يقرأ" للرجل لأنه فعل بحث وتأويل؛ فالقارئ لا يغيّر النص، بل يحاول فهمه. أما فعل "تكتب" للمرأة، فهو فعل خلقٍ وتأثير؛ فالكاتب يترك بصمته فيما يكتب، ويمنحه جزءًا من روحه. وربما لهذا السبب يبقى كثير من الرجال طوال حياتهم يقرؤون المرأة، ولا يدّعون أنهم انتهوا من فهمها، بينما تكتب المرأة الرجل بصبر الأيام، حتى تصبح أخلاقه وعاداته وبعض كلماته تحمل شيئًا من أثرها.

ولعل أجمل ما في هذه العبارة أنها لا تتحدث عن تفوق أحد على الآخر، بل عن تكامل الدورين؛ فالرجل يفتش عن معنى المرأة، والمرأة تصنع معنى الرجل. وبين القراءة والكتابة تنشأ الحكاية التي نسميها الحياة، حيث يظل الإنسان كتابًا مفتوحًا، لكن أجمل فصوله غالبًا ما يكتبها شخصٌ أحبه بصدق.

الأكثر قراءة

z