التسوّل الرقمي.. تهديد صامت للأمن المجتمعي مع التحوّل المتسارع نحو الفضاء الرقمي

 

 

د. علي موسى الكناني

لم تعد ظاهرة التسوّل تقتصر على الشوارع والأماكن العامة، بل انتقلت إلى المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، لتأخذ شكلًا أكثر تعقيدًا وتأثيرًا، يُعرف بـ"التسول الرقمي". هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي يهدف إلى الحصول على مساعدات مالية، وإنما تحولت في بعض الحالات إلى نشاط منظم يستغل التكنولوجيا والعواطف الإنسانية لتحقيق مكاسب مالية قد تكون مشروعة أحيانًا، وغير مشروعة في أحيان أخرى، الأمر الذي يجعلها قضية تستحق المعالجة من منظور استراتيجي، وأمني، واقتصادي.

التسوّل الرقمي يقوم على استخدام المنصات الإلكترونية، والبث المباشر، والتطبيقات المالية، وحملات التمويل الفردية، ورسائل الاستغاثة المنتشرة عبر وسائل التواصل، بهدف جمع الأموال من الجمهور. ورغم أن بعض هذه المبادرات تكون إنسانية وحقيقية، فإن غياب آليات التحقق والرقابة أوجد بيئة مناسبة لانتشار الحسابات الوهمية، والقصص المفبركة، والاستغلال المنظم للعواطف، مما أدى إلى تراجع الثقة بالمبادرات الخيرية الرقمية.

ومن منظور استراتيجي، فإن خطورة التسول الرقمي لا تكمن في الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الأمن المجتمعي. فالجماعات الإجرامية قد تستخدم هذه الوسائل لغسل الأموال، أو تمويل أنشطة غير قانونية، أو جمع قواعد بيانات عن المتبرعين، أو استغلال الأطفال، والنساء، وذوي الاحتياجات الخاصة في محتوى يستدر التعاطف ويحقق أرباحًا مستمرة.

كما يمثل التسول الرقمي تحديًا للأمن السيبراني، إذ تعتمد بعض الشبكات على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة، أو انتحال شخصيات مرضى ومتضررين، أو اختراق حسابات ونشر طلبات تبرع احتيالية باسم أصحابها. ومع تطور تقنيات التزييف العميق، أصبح من الصعب على المستخدم العادي التمييز بين الحالات الحقيقية والمحتوى المصطنع.

اقتصاديًا، يخلق هذا النوع من النشاط سوقًا موازية غير خاضعة للرقابة، تتدفق عبرها أموال قد لا تخضع للضرائب أو المتابعة المالية، مما يؤثر في شفافية الاقتصاد الرقمي ويزيد من فرص الجرائم المالية. كما أن انتشاره يضعف ثقة المجتمع في المؤسسات الخيرية الرسمية، ويحول جزءًا من أموال التبرعات إلى قنوات مجهولة المصدر.

أما اجتماعيًا، فإن التسول الرقمي يسهم في تكريس ثقافة الاتكال والربح السريع، خاصة لدى فئة الشباب، عندما يشاهدون حسابات تحقق دخلًا كبيرًا من خلال استدرار التعاطف بدلًا من الإنتاج أو الابتكار. وهذا التحول قد يؤثر تدريجيًا في منظومة القيم المرتبطة بالعمل والاعتماد على الذات.

وعلى المستوى الإعلامي، أصبحت بعض المنصات تكافئ المحتوى الذي يثير التفاعل بغض النظر عن مصداقيته، الأمر الذي يمنح أصحاب القصص الملفقة مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور، بينما تتراجع الروايات الحقيقية وسط الكم الهائل من المحتوى المضلل. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الإعلامية، ومنصات التواصل، في تطوير أدوات تحقق أكثر كفاءة، ومنع استغلال المحتوى الإنساني لتحقيق أرباح غير مشروعة.

وتزداد أهمية هذه القضية في ظل التوسع العالمي في الاقتصاد الرقمي، إذ تشير العديد من المؤشرات إلى أن الجرائم الإلكترونية أصبحت أكثر تنوعًا، ولم تعد تقتصر على الاختراق والابتزاز، بل اتجهت إلى استغلال الجانب النفسي والإنساني للمستخدمين، وهو ما يجعل التسول الرقمي أحد أشكال الهندسة الاجتماعية التي تستهدف بناء الثقة قبل تحقيق المكاسب المالية.

ولمواجهة هذه الظاهرة، لا يكفي الاعتماد على الإجراءات القانونية وحدها، بل يتطلب الأمر استراتيجية وطنية متكاملة تشمل تحديث التشريعات الخاصة بالجرائم الإلكترونية، وتنظيم حملات جمع التبرعات الرقمية، وتعزيز التعاون بين الجهات الأمنية، والمؤسسات المالية، وشركات التكنولوجيا، فضلًا عن نشر الوعي الرقمي لدى المواطنين حول كيفية التحقق من مصادر التبرعات، وعدم الانسياق وراء الحملات مجهولة الهوية.

كما يمكن للمؤسسات الخيرية الرسمية أن تستثمر في بناء منصات إلكترونية موثوقة وشفافة، تتيح للمتبرعين متابعة مسار تبرعاتهم، بما يعزز الثقة ويحد من استغلال المحتوى الإنساني لأغراض احتيالية.

في النهاية، يُعد التسول الرقمي انعكاسًا للتحديات التي ترافق التحول الرقمي العالمي، حيث تتطور أساليب الاحتيال بالتوازي مع تطور التكنولوجيا. ومن ثم، فإن التعامل معه يجب أن يكون جزءًا من منظومة الأمن الوطني الرقمي، لأنه لا يمس الجانب الاقتصادي فقط، بل يؤثر أيضًا في الأمن المجتمعي، والثقة العامة، وسلامة البيئة الرقمية. إن بناء مجتمع رقمي آمن لا يتحقق بتطوير البنية التحتية التقنية وحدها، وإنما بترسيخ ثقافة الوعي الرقمي، وتعزيز الحوكمة الإلكترونية، وتحقيق التوازن بين الانفتاح التكنولوجي وحماية المجتمع من المخاطر المستجدة.

الأكثر قراءة

z