الوراقي لـ:"الرؤية": الذكاء الاصطناعي "مساعد خارق" للمؤسسات الإعلامية.. والتشريعات الأخلاقية ضرورة لحماية جوهر العمل الصحفي

 

مبادرة "ثورة الذكاء الاصطناعي" تشجع الصحفيين على توظيف التقنيات مع الحفاظ على الأخلاقيات المهنية

العمل على بناء منظومة رقمية عربية قادرة على مواكبة التحولات العالمية

 

الرؤية- عادل بن سالم الحمداني

قالت الصحفية الاستقصائية إيمان الوراقي، مؤسسة مبادرة "ثورة الذكاء الاصطناعي"، إن المبادرة تهدف إلى تدريب الصحفيين على امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في ممارساتهم المهنية اليومية، مشيرة إلى أن دافعها الأساسي كان تمكين زملائها من فهم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتوظيفها بصورة واعية ومسؤولة، إلى جانب معالجة التحديات الأخلاقية والمهنية المرتبطة بالخوارزميات، ونشر وعي حقيقي يضمن دمج هذه التكنولوجيا بمسؤولية واحترافية لبناء إعلام رائد وموثوق في العصر الرقمي الحالي.

وأضافت -في تصريحات لـ"الرؤية"- أن المبادرة واجهت الكثير من التحديات منذ انطلاقها، التي تتمثل في ذاتية الجهود، والتحديات المالية، وتخوف بعض الإعلاميين من استخدام الذكاء الاصطناعي، مبينة: "هذه المخاوف تتراجع تدريجيًا، ونحن نتحرك بذكاء لتفكيك هذه المخاوف، مستندين إلى شغفنا لإثبات أن هذه الأدوات وُجدت لتمكين الصحفي الإنساني وتعزيز إبداعه، وليس لاستبداله أو تهميش دوره".

وأشارت الوراقي إلى أن مبادرة "ثورة الذكاء الاصطناعي" تعد محاولة للانتقال من مرحلة الخوف من التقنية إلى مرحلة فهمها والاستفادة منها، حتى لا يجد الصحفي نفسه، خلال سنوات قليلة، خارج المنافسة، كما أنها خطوة مهمة نحو دمج الذكاء الاصطناعي في الإعلام بطريقة واعية ومنظمة.

وأكدت أن ما يميز المبادرة عن غيرها من البرامج التدريبية أنها لا تكتفي بتعليم الأدوات التقنية أو استعراض إمكاناتها، وإنما تقدم رؤية متكاملة تجمع بين الجانب التطبيقي والبعد الأخلاقي والمهني، لافتة إلى أنها نجحت في تدريب مئات الصحفيين المصريين والعرب على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتحقيقات المدعومة بالخوارزميات، لإكسابهم مهارات خاصة تعد ضرورية في مثل هذه الاستخدامات.

وتنظر الوراقي إلى المبادرة باعتبارها خطوة أولى ضمن مشروع أكبر يهدف إلى بناء منظومة رقمية عربية قادرة على مواكبة التحولات العالمية في الإعلام، موضحة أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تضييق الفجوة بين التطور التقني والممارسة المهنية، من خلال التوسع في التدريب المتخصص على صحافة البيانات والتحقيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقديم الاستشارات للمؤسسات الإعلامية لتطوير أطر أخلاقية تنظم استخدام هذه التقنيات، فضلًا عن دعم جهود تحديث غرف الأخبار ورفع كفاءة الإنتاج، مع الحفاظ على الإبداع البشري.

وأكدت الوراقي أنه على الصحفي عدم الاكتفاء بمهارات الكتابة والتحرير التقليدية، وأنه أصبح مطالبًا بإتقان مهارات جديدة تتناسب مع طبيعة البيئة الرقمية، من بينها هندسة الأوامر، وتحليل البيانات، والتحقق الرقمي، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، مبينة: "الذكاء الاصطناعي يفتح لنا آفاقًا مذهلة، فهو يختصر وقت البحث والتلخيص، ويتيح لنا تحليل الوثائق الضخمة في ثوانٍ لكشف القصص الاستقصائية، فضلًا عن أتمتة المهام الروتينية، مما يمنحنا متسعًا من الوقت للتركيز على الإبداع، والتحليل العميق، واللمسة الإنسانية التي لا يمكن لأي آلة تقليدها".

كما تشدد على ضرورة أن تقوم العلاقة بين الصحفي والذكاء الاصطناعي على توزيع واضح للأدوار؛ فالخوارزميات تمتلك السرعة والقدرة على المعالجة، بينما يظل الإنسان صاحب الضمير والحس الإنساني.

وقالت: "بصفتي صحفية استقصائية، أتعامل مع هذه الآلات كأدوات مساعدة تُنجز المهام الروتينية وتوفر وقتي، لأستثمر هذا البُعد في جوهر الصحافة الحقيقي، التعاطف مع قضايا الناس، والالتزام بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية. الذكاء الاصطناعي يحلل البيانات الضخمة، لكن وعينا ولمستنا الإنسانية هما ما يمنحانها النبض والمعنى، والمؤسسات الإعلامية العالمية لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا للصحفي، وإنما كشريك يعزز كفاءة غرف الأخبار".

وأكدت أن وضع ميثاق أخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة أصبح ضرورة تفرضها سرعة التحولات الرقمية، مضيفة: "أدرك تمامًا أن صياغة هذه المعايير لا يمكن أن تنفرد بها رؤية شخص واحد أو جهة بمفردها، بل هي مسؤولية جماعية ملحة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الإعلامية، والخبراء، والممارسين معًا، للوصول إلى ميثاق موحد يحمي مهنتنا".

وحذرت إيمان من أن تجاهل قضايا الدقة والشفافية والملكية الفكرية قد يؤدي إلى نتائج تمس جوهر العمل الصحفي، حيث يفتح الباب أمام انتشار الأخبار المضللة، ويقوض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، ويهدد حقوق المبدعين، مشيرة إلى الحاجة إلى تشريعات عربية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، التي باتت ضرورة مهنية وفكرية، وليست ترفًا تشريعيًا.

وأكدت الوراقي أنها لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا أو منافسًا للإنسان، بل تراه مساعدًا ذكيًا يتولى الأعمال المتكررة والمجهدة، مثل تحليل البيانات، وتنظيم الملفات، وتفريغ المقابلات، ليترك للصحفي المساحة الأهم؛ وهي الإبداع، وصناعة الأفكار، وإضفاء البُعد الإنساني على القصة الصحفية. وتختصر فلسفتها بالقول: "هو، باختصار، مساعد يمتلك عضلات رقمية خارقة، لكنه يحتاج دائمًا إلى عقل وإحساس الإنسان ليوجهه؛ فالآلة تكتب بذكاء، لكن الإنسان هو من يبدع بقلب".

وتتوقع إيمان الوراقي أن السنوات المقبلة لن تشهد صراعًا بين الصحفي والذكاء الاصطناعي، بل شراكة تعيد تشكيل طبيعة العمل الصحفي، مبينة: "بعد سنوات ستختفي تمامًا المهام الروتينية المملة من كتابة وتفريغ وتنسيق، ليتحول الصحفي إلى مايسترو يقود مجموعة من المساعدين الأذكياء لتوليد البيانات وتحليلها، متفرغًا بالكامل لصناعة الفكر، والتحقيقات العميقة، وتقديم القصة بروح وإحساس بشري لا يمكن لأي خوارزمية أن تحاكي دفأه أو تقلد نبضه".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z