حين تبادلك الجبال العشق

 

 

أنيسة الهوتي

أساطير الجبال منذ آلاف السنين كانت مخيفة، في مختلف الثقافات، وخاصة الأساطير اليابانية التي لا ترى الجبال على أنها صخور عظيمة صامتة، بل تعتقد أنها كائنات حية تمتلك روحًا وحراسًا. ففي الفلكلور الياباني، تسكن الكامي القمم والغابات، وتحرسها كائنات غامضة مثل التينغو، بينما تجوب اليوكاي الأماكن التي يختلط فيها الضباب بالصمت. لذلك لم تكن الجبال مجرد وجهة للمتسلقين، بل بوابة بين عالم البشر وعالم الأرواح.

وتقول بعض الحكايات إن الجبل لا ينادي جميع من يمر به، بل يختار من يشاء. فليس كل من يصعد إليه مرة يعود إلى منزله طبيعيًا، فيبقى هناك من يظل قلبه معلقًا بالجبل أو بالقمم. يسمع نداءً لا يسمعه غيره، فيعود مرة بعد أخرى، ولا يعلم بأن الجبل كان يناديه مستخدمًا أصوات الصخور والتراب حوله، وكذلك الهواء.

ولهذا كان الرهبان اليابانيون يصعدون الجبال باحترام وصمت وخشوع، لأنهم كانوا يؤمنون أن الجبل ليس مكانًا، بل كائن حي يسمع ويرى ويختبر من يقترب منه.

ومن بين أكثر الصور خوفًا ورعبًا في تلك الحكايات أن الجبال فعلًا تتنفس. تزفر أولًا، فتطلق الرياح والثلوج والصخور، ثم تشهق... لكن شهيقها لا يسحب الأجساد، بل الأرواح. لذلك كان رواة الأساطير يقولون إن بعض الأرواح لا تغادر الجبل أبدًا، خاصة إذا أحبها الجبل.

وهذه ليست عقيدة أو حقيقة ملموسة، بل صورة أسطورية ابتكرها الإنسان ليمنح الطبيعة روحًا، ويمنح الفقد معنى.

وعندما وقع الانهيار الثلجي على جبل برود بيك في باكستان في الثلاثين من يوليو 2026، وعجزت الثلوج عن إعادة من ابتلعتهم، عاد هذا النوع من الحكايات إلى الذاكرة. ففي لحظات، تحولت رحلة نحو القمة إلى مأساة، وابتلع البياض الصامت مجموعة من المتسلقين الذين جاؤوا من بلدان مختلفة، يحملون حلمًا واحدًا؛ أن يلامسوا السماء.

العلم يفسر ما حدث بوضوح؛ بسبب تغيرات الطقس، وعدم استقرار الطبقات الثلجية، كوننا في فترة صيف، والانهيار الذي وقع على ارتفاع شاهق بسبب الثلوج المتعرضة لأشعة الشمس.

لكن الأساطير لا تبحث عن السبب، بل عن المعنى. ولهذا، لو روت الحكايات اليابانية تلك المأساة، لقالت إن الجبل أطلق زفيره، فانهمرت الثلوج، ثم أخذ شهيقًا طويلًا، فاحتفظ بالأرواح التي أحبها، وترك أجسادها تحت الثلج. لا لأنه غاضب، بل لأنه لم يشأ أن يتركها ترحل وتبقى هي وحيدة بعد أن صحا من سباته.

وربما لهذا يعود متسلقو الجبال دائمًا، رغم معرفتهم بالخطر. إنهم لا يبحثون عن الموت، بل عن ذلك الشعور الذي لا تمنحه المدن ولا السهول. شعور الوقوف أمام قوة لا يمكن إخضاعها. وفي المقابل، تقول الأسطورة إن الجبل أيضًا يختار ضيوفه، وإن بعض الأرواح إذا وصلت إلى قمته، لم تعد ملكًا للأرض.

قد لا تكون هذه الحكايات حقيقة، لكنها تكشف حقيقة أخرى عن الإنسان؛ أنه كلما عجز عن تفسير الفقد، صنع له أسطورة. وكلما وقف أمام جبل شاهق، شعر أن في صمته سرًا لا تستطيع العلوم وحدها أن ترويه.

وربما لهذا ستظل الجبال، في نظر الأدباء والرواة، ليست مجرد صخور ترتفع نحو السماء، بل مخلوقات قديمة تتنفس في صمت، وتحتفظ في أعماقها بحكايات الذين أحبوها أكثر مما ينبغي.

الأكثر قراءة

z