أكدت أن الاقتصاد العماني بات أكثر جاهزية لصدمات أسعار النفط

الحبسية لـ"الرؤية": ارتفاع أسعار النفط ليس مكسبا صافيا للدول.. وتوظيف "الإيرادات الاستثنائية" ضرورة لتعزيز الاستدامة المالية

 

 

التطورات الجيوسياسية أصبحت المحرك الرئيس لأسعار النفط في المرحلة الحالية

استمرار ارتفاع أسعار النفط يؤثر على الاقتصاد العماني والعالمي

من الخطأ النظر إلى ارتفاع أسعار النفط باعتباره مكسبا صافيا للدول المصدرة

التحول نحو الطاقة المتجددة سيؤدي تدريجيًا إلى تباطؤ نمو الطلب على النفط

 

الرؤية- سارة العبرية

أكدت عزة بنت خالد الحبسي نائب الرئيس للبحوث الاقتصادية في الشركة العُمانية العالمية للتنمية والاستثمار "أومنفيست"، أن التطورات الجيوسياسية أصبحت المحرك الرئيس لأسعار النفط خلال المرحلة الحالية، مُشيرة إلى أن الأسواق انتقلت من مرحلة تسعير احتمالات تعطل الإمدادات إلى تسعير التكلفة الفعلية للأزمة.

وأوضحت -في حوار مع "الرؤية"- أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة ستكون له انعكاسات مُباشرة على الاقتصاد العُماني والاقتصاد العالمي، مؤكدة أهمية توظيف الإيرادات النفطية الاستثنائية في تعزيز الاستدامة المالية، وتسريع المشاريع التنموية، ودعم جهود التنويع الاقتصادي، مع ضرورة الاستعداد لمختلف السيناريوهات التي قد تشهدها أسواق الطاقة خلال الفترة المُقبلة.

وترى أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط تقوده في المقام الأول التطورات الجيوسياسية، لكنه لم يعد مجرد علاوة مخاطر تضاف إلى السعر كما يحدث عادةً في بداية الأزمات، ففي المراحل الأولى، ترتفع الأسعار نتيجة مخاوف الأسواق من احتمال تعطل الإمدادات، أما اليوم فجرى الانتقال إلى مرحلة أصبحت فيها تلك المخاطر واقعًا ملموسًا، يتمثل في اضطرابات حركة الناقلات، وتعطل جزء من الإمدادات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب المخاطر التي تحيط بمضيقي هرمز وباب المندب في آنٍ واحد، وبالتالي فإن مستويات الأسعار الحالية تعكس انتقال السوق من تسعير احتمال وقوع الأزمة إلى تسعير تكلفتها الفعلية.

وذكرت الحبسية أن وكالة الطاقة الدولية وصفت ما يشهده العالم اليوم بأنه أكبر اضطراب في إمدادات سوق النفط العالمية؛ نتيجة تراجع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، واستنزاف جزء من المخزونات، واللجوء إلى الاحتياطيات الطارئة، مضيفة أن حركة الأسعار لا يمكن تفسيرها من خلال العامل الجيوسياسي وحده؛ لأن أساسيات العرض والطلب ما زالت تلعب دورًا مهمًا، فمن جانب العرض، تراجعت صادرات وإنتاج بعض دول المنطقة، وارتفعت تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، كما واجهت بعض المصافي صعوبة في الحصول على الإمدادات، أما من جانب الطلب، فقد بدأت الأسعار المرتفعة ونقص بعض المنتجات البترولية يؤثران على الاستهلاك، لا سيما في آسيا، كما أن انخفاض وتيرة واردات الصين النفطية، واعتمادها بصورة أكبر على السحب من مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية، حدّ من الارتفاع الذي كان من الممكن أن تشهده الأسعار رغم حجم اضطرابات الإمدادات

وأكدت أن المحرك الأول للارتفاع هو العامل الجيوسياسي، لكن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة سيعتمد أيضا على مدى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل هذه الأسعار دون أن يدخل في تباطؤ يخفض الطلب.

oil.jpg
 

وتابعت قائلة: "إن ارتفاع أسعار النفط يمثل دعمًا مُهمًا للمالية العامة في السلطنة، خاصة وأن موازنة عام 2026 بُنيت على متوسط سعر يبلغ نحو 60 دولارًا للبرميل. وبالتالي، فإن بقاء الأسعار الفعلية فوق هذا المستوى يوفر مساحة مالية إضافية، ويسهم في تعزيز الإيرادات النفطية وتحسين المؤشرات المالية للدولة. وقد توقع صندوق النقد الدولي أن يتسع الفائض المالي إلى نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مع تحول الحساب الجاري إلى فائض يقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي".

وأوضحت أن الزيادة في سعر برنت لا تنتقل بصورة فورية أو كاملة إلى الإيرادات، إذ يعتمد الأثر النهائي أيضًا على سعر البيع الفعلي للنفط العُماني، وكميات الإنتاج والتصدير، وتوقيت التسعير والتحصيل، وتكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، لافتة إلى أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة أن الخيار الأفضل هو زيادة الإنفاق الجاري، بل إن الأهم هو استخدام الإيرادات الاستثنائية لتعزيز الاستدامة المالية، وتمويل المشاريع ذات العائد الاقتصادي المرتفع، وتقليل الدين والالتزامات المستقبلية، وحماية الإنفاق التنموي من أي تراجع لاحق في الأسعار.

وحول استفادة سلطنة عُمان من ارتفاع أسعار النفط في تسريع تنفيذ المشاريع التنموية وتقليل العجز المالي، تعتبر عزة الحبسي أن أفضل استفادة من ارتفاع أسعار النفط تتمثل في توزيع الإيرادات الإضافية على ثلاثة مسارات رئيسية ومتوازنة. يتمثل المسار الأول في تعزيز المركز المالي، من خلال خفض الدين العام وتكاليف خدمته، وتكوين احتياطيات يمكن استخدامها عند تراجع الأسعار مستقبلًا، بينما يتمثل المسار الثاني في تسريع المشاريع التنموية الجاهزة للتنفيذ، خصوصًا المشاريع التي ترفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد في قطاعات الصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية والطاقة، والمسار الثالث هو تسريع سداد مستحقات القطاع الخاص وتمويل البنية الأساسية والخدمات الأساسية، مع ضرورة التعامل مع الزيادة الحالية باعتبارها إيرادًا دوريًا واستثنائيًا، وليس مصدرًا دائمًا.

وتؤكد الحبسية أنه من الخطأ النظر إلى ارتفاع أسعار النفط باعتباره مكسبًا صافيًا للدول المصدرة؛ فالسلطنة تستفيد من تحسن الإيرادات النفطية، لكنها في الوقت نفسه جزء من اقتصاد عالمي وإقليمي يتأثر بارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتراجع ثقة المستهلكين والمستثمرين، لافتة إلى أن التضخم يمثل أول هذه الآثار، إذ ينعكس ارتفاع النفط على تكاليف المعيشة والإنتاج، ويؤثر على المستهلك من خلال تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة السلع والخدمات، كما يضغط على الشركات نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والشحن والمواد الخام والتأمين والمخزون.

وتضيف أن الحكومة قد تضطر إلى تخصيص مبالغ أكبر للدعم أو لاحتواء ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، وهو ما يقلل من الجزء المتاح من الإيرادات النفطية الإضافية لتخفيض الدين أو تمويل المشاريع التنموية، مبينة أن الأزمة الحالية تؤثر في الثقة الاقتصادية، خاصة في قطاعات السياحة والضيافة، وقد تؤدي كذلك إلى تأجيل قرارات استثمارية أو إعادة تقييم بعض المشروعات، فضلًا عن ارتفاع تكلفة التمويل نتيجة ارتباط الريال العُماني بالدولار، وزيادة تكاليف التأمين والشحن وإعادة توجيه السفن وتأخر وصول السلع.

وتبيّن أن تأثير الولايات المتحدة والصين سيكون حاسمًا في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة، لكن كلًا منهما يؤثر عبر قنوات مختلفة، فالولايات المتحدة تؤثر من خلال أدوات السياسة الاقتصادية والجيوسياسية، مثل العقوبات، وحماية الممرات البحرية، وإدارة الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، إضافة إلى الرسائل السياسية التي أصبحت تؤثر في توقعات السوق بصورة كبيرة، أما الصين، فتمثل اليوم العامل الأكثر أهمية من جانب الطلب، إذ لجأت إلى استخدام جزء من مخزوناتها الاستراتيجية والتجارية، بالتوازي مع خفض وارداتها النفطية، الأمر الذي خفف الضغط على السوق وأدى إلى أسعار أقل من المتوقع رغم استمرار اختناقات الإمدادات.

وفي شأن مستقبل الطلب العالمي على النفط في ظل التحول المتسارع نحو الطاقة المتجددة، تعتقد عزة الحبسي أن التحول نحو الطاقة المتجددة سيؤدي تدريجيًا إلى تباطؤ نمو الطلب على النفط، خصوصًا في قطاع المركبات الخفيفة، إلا أن ذلك لا يعني اختفاء الطلب على النفط، الذي سيظل مستخدمًا على نطاق واسع في الطيران والشحن والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة والمواد البلاستيكية والأسمدة، إذ إن السلطنة لا تنظر إلى الأمر باعتباره مفاضلة بين النفط والطاقة المتجددة، وإنما باعتباره توظيفًا للعوائد النفطية في بناء اقتصاد وطاقة أكثر تنوعًا، بما في ذلك الطاقة المتجددة والهيدروجين والصناعات التحويلية والبتروكيماويات، مع تعظيم القيمة المضافة من كل برميل نفط.

وأكدت أن الاقتصاد العُماني اليوم أكثر جاهزية مما كان عليه خلال صدمات أسعار النفط السابقة، بفضل انخفاض الدين العام، وتحسن الإطار المالي، وارتفاع الإيرادات غير النفطية، وانضباط الإنفاق، وتوسع مساهمة الأنشطة غير النفطية، مشيرة إلى أن السيناريو الأساسي يتمثل في تداول خام برنت بين 65 و75 دولارًا للبرميل، إلا أن المخاطر الجيوسياسية ما زالت العامل الأبرز في تحديد مسار الأسعار؛ إذ يمكن أن تدفعها إلى 100 دولار للبرميل إذا اتسعت دائرة الصراع أو تعطلت الإمدادات، بينما قد تتراجع إلى ما دون 60 دولارًا إذا انحسرت التوترات وعادت المنافسة بين المنتجين مع استمرار ضعف الطلب الصيني.

وقالت في ختام حديثها: "إن السؤال لم يعد إلى أين ستتجه أسعار النفط، وإنما ما البيئة الاقتصادية والجيوسياسية التي ستنتج كل مستوى سعري؛ لأن السياسة والاقتصاد أصبحا معًا يُحددان اتجاه السوق".

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z