أنيسة الهوتي
كان بحّارة الخليج يرددونها وهم يغوصون في أعماق البحر بحثًا عن اللؤلؤ، عائدين إلى أهلهم بما يفيض على القلوب قبل الجيوب. واليوم، تبدو العبارة وكأنها عادت بثوب جديد: "أوه... يامال". لم يعد الصياد يغوص في البحر، بل في بحرٍ آخر اسمه المستطيل الأخضر. ولم تعد اللؤلؤة تختبئ بين المحار، بل بين أقدام المدافعين. وإذا كان غواص الأمس يعود بمحارة قد تخفي جوهرة، فإن صياد الكرة يعود أحيانًا بكأسٍ يشعل أفراح أمة كاملة.
في نهائي كأس العالم 2026، فازت إسبانيا على الأرجنتين بهدف نظيف، لكن صافرة النهاية لم تعلن نهاية المباراة، بل بداية آلاف المباريات داخل عقول الجماهير. لم يعد المشهد مجرد نهائي بين منتخبين، بل أصبح انتقالًا رمزيًا بين جيلين؛ من ليونيل ميسي، الذي صنع عصرًا كاملًا، إلى لامين يامال، الذي يبدو وكأنه يكتب أول فصول عصر جديد.
داخل الملعب، كان الفارق في السرعة والجرأة والخيال. ميسي ظل العقل الذي يرى المساحات قبل الجميع، بينما بدا يامال كأنه يخلق المساحات من العدم. أحدهما يمثل خبرة السنين، والآخر يمثل اندفاع المستقبل. وخسارة ميسي لم تُسقط مكانته، كما أن فوز يامال لا يجعله أسطورة في ليلة واحدة، لكن كرة القدم تعشق الرمزية، والجماهير تعشق اختصار التاريخ في تسعين دقيقة.
ومن هنا بدأت الرواية التي لم يكتبها اللاعبون، بل كتبها الجمهور. فبينما يُعرف عن يامال أنه مسلم، وتنتشر على وسائل التواصل منشورات تربطه بالتعاطف مع فلسطين دون إعلان سياسي رسمي منه، تنتشر أيضًا منذ سنوات روايات مختلفة حول ميسي، منها ما يربطه بإسرائيل أو يفسر بعض زياراته إليها سياسيًا، رغم أن ذلك لا يشكل دليلًا على موقف سياسي معلن. ومع ذلك، فإن الجماهير كثيرًا ما تتعامل مع الرموز والانطباعات أكثر مما تتعامل مع البيانات الرسمية.
لذلك، رأى بعض المشجعين العرب والمسلمين في هذا النهائي صورة رمزية، وكأن فلسطين تواجه إسرائيل على أرض الملعب، لا لأن اللاعبين قالوا ذلك، بل لأن الجمهور أسقط همومه على المباراة. وفوز يامال أصبح، في خيال هؤلاء، انتصارًا معنويًا لفلسطين، ولو للحظات، يعوض شيئًا من شعور طويل بالعجز أمام صور الحرب والدمار.
وهنا تكمن المفارقة السوداء؛ فالكرة الصغيرة المصنوعة من الجلد أصبحت أحيانًا أكثر قدرة على جمع البشر من الكرة الأرضية نفسها. يعيش العالم عشرات الحروب والنزاعات المسلحة، وتدور في أنحاء مختلفة منه أكثر من مئة بؤرة عنف وصراع بدرجات متفاوتة، ومع ذلك، يستطيع نهائي كأس العالم أن يوقف العالم لساعتين، بينما تعجز نشرات الأخبار عن فعل الشيء نفسه مع المآسي اليومية. يبدو أن الكرة، حين تكون في الملعب، تجذب البشر أكثر من الكرة التي يعيشون عليها.
في الماضي، كانت الأمم تختار أفضل من يجيد القتال ليمثلها في ساحة المعركة. أما اليوم، فهي تختار أفضل من يجيد المراوغة، وتمرير الكرة، والتسجيل، ليمثلها في ساحة الملعب. تبدلت الأدوات، لكن المشاعر بقيت كما هي؛ رايات ترتفع، وجماهير تهتف، وشعوب تبحث عن بطل يحمل أحلامها فوق كتفيه.
ولعل هذا هو سر كرة القدم؛ فهي لا توقف الحروب، ولا تغيّر خرائط السياسة، لكنها تمنح الشعوب مساحة تتنفس فيها. وربما لهذا، حين صاح الجمهور: "أوه... يامال!"، لم يكن يهتف للاعبٍ فقط، بل كان يهتف لفكرة، ولأمل، ولحلمٍ مؤجل وجد، ولو في مباراة، طريقه إلى الشباك.
