من الأصدق مشاعر.. من يشاركك الفرح أم من يشاركك الحزن؟

 

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

منذ أيام، وأنا أعيشُ فرحة عقد قران ابني، كانت المشاعر تتزاحم داخلي بصورة يصعب وصفها. ففرحة الأب لا تشبه أي شعور آخر، وكأنَّ العمر كله يقف للحظة ليرى ثمرة سنوات طويلة تكبر أمامه وتبدأ مرحلة جديدة من الحياة. وبين تفاصيل المناسبة الكثيرة، بدأت ألتفت تلقائيًا إلى شيء آخر لا يقل أهمية عن الفرح نفسه.. صدق المشاعر التي يحملها النَّاس تجاه بعضهم.

فالكثير من الدعوات قُدمت، وكثير من الأحبة والأصدقاء سقطت الدعوة لهم بغير قصد وسط الزحام وكثرة الانشغال، وما بين هذا وذاك ظهرت أمامي مشاعر كثيرة لم أكن لألتفت إليها لولا هذه المناسبة. بعضهم عاتب بمحبة، ومن حقه أن يعتب، لأن القلوب القريبة لا ترى نفسها بعيدة عن أفراح من تحب، وبعضهم فرح لنا بطريقة شعرت معها أن المناسبة تخصه هو أيضًا، لا تخصنا وحدنا. ولعل أكثر ما لامس قلبي تلك الكلمات الصادقة التي وصلتني من بعض الأحبة، حتى إن منهم من عبّر عن فرحته بقصائد شعرية كتبها بمحبة صافية، وكأنَّ المشاعر حين تكون حقيقية تبحث دائمًا عن أجمل الطرق لتظهر. وهذا والله لا يدل إلا على مقدار الود الذي يحملونه لنا ولعائلتنا.

ومن بين كل تلك التفاصيل، ظل سؤال واحد يتكرر داخلي كثيرًا: هناك أناس يحيطون بنا في مختلف المناسبات، يشاركوننا أفراحنا أحيانًا، ويقفون معنا في أحزاننا أحيانًا أخرى، لكن من الأصدق مشاعر؟ هل الذي يفرح لفرحك من قلبه، أم الذي يبقى إلى جانبك حين يثقلك الحزن؟

في البداية كنت أظن أن الإجابة تميل للحزن أكثر، لأن الإنسان في لحظات انكساره يرى الناس بوضوح مختلف. ففي أوقات الضيق يتراجع البعض، وينشغل آخرون، ويبقى فقط من يرى أنَّ وجوده بجانبك ليس واجبًا اجتماعيًا، بل وفاءً حقيقيًا لا ينتظر مقابلًا. والشخص الذي يخفف عنك ألمك، أو يربت على روحك بكلمة صادقة، لا يفعل ذلك بحثًا عن صورة أو حضور، بل لأن قلبه لا يحتمل أن يراك مثقلًا وحدك.

لكن مع مرور الوقت، أدركت أن الفرح أيضًا اختبار صعب للقلوب. فليس كل الناس يستطيعون أن يفرحوا لغيرهم بصدق كامل. هناك من يحضر الفرح بجسده فقط، بينما يظل قلبه مشغولًا بالمقارنات أو الغيرة أو التساؤلات الصامتة. وفي المقابل، هناك من يراك سعيدًا فيشعر وكأنَّ الخير وصل إليه هو أيضًا، فيدعو لك بمحبة حقيقية دون تكلف أو تصنع، وهذا النوع من البشر نادر جدًا، لأن الفرح للآخرين يحتاج قلبًا نقيًا لا يرى الحياة ساحة منافسة دائمة.

ولعلَّ الإنسان لا ينتبه إلى هذه التفاصيل إلا عندما يعيش مناسبة تخصه هو شخصيًا. ففي الأيام العادية قد تمر الكلمات مرورًا عابرًا، لكن في المناسبات الكبيرة تصبح لكل كلمة قيمة مختلفة، ولكل موقف أثر يبقى طويلًا في الذاكرة. هناك أشخاص لا يملكون عبارات منمقة، لكن حضورهم وحده يكفي ليمنحك شعورًا بالطمأنينة، وهناك آخرون يتقنون الحديث كثيرًا، لكنهم يختفون عند أول موقف يحتاج إلى صدق حقيقي.

ومن الأشياء التي أدركتها أيضًا أن العتب أحيانًا دليل محبة، وليس دليل غضب. بعض الأحبة الذين لم تصلهم الدعوة بغير قصد، كان عتبهم قريبًا جدًا من القلب، لأنك تشعر أن ما يؤلمهم ليس غياب المناسبة نفسها، بل خوفهم من أن تقل مكانتهم لديك. وهذا النوع من العلاقات لا تصنعه المجاملات العابرة، بل تصنعه السنوات الطويلة من الود والقرب والمحبة الصادقة.

كما أن الحياة علمتني أن المشاعر الحقيقية لا تُقاس بكثرة الكلمات، بل بالمواقف الثابتة. فقد تجد شخصًا قليل الحديث، لكنه حاضر دائمًا حين تحتاجه، وتشعر أنَّه يسندك بصمته قبل كلامه. وفي المقابل، قد تجد من يملأ المكان بعبارات جميلة، لكنه أول الغائبين حين تتغير الظروف. لذلك تبقى المواقف هي اللغة الوحيدة التي لا تستطيع المجاملة أن تستمر في تمثيلها طويلًا.

ومع كل تجربة يعيشها الإنسان، يصبح أكثر قدرة على معرفة الناس الذين يستحقون مكانتهم في قلبه. فالعلاقات الصادقة أصبحت اليوم من أثمن ما يمكن أن يمتلكه الإنسان وسط هذا الزحام الكبير من العلاقات المؤقتة والمجاملات السريعة. ولهذا فإنَّ الإنسان المحظوظ ليس من يعرف عددًا كبيرًا من الناس، بل من يجد حوله قلوبًا صادقة تبقى معه مهما تبدلت الأيام.

فالذي يفرح لك بصدق نعمة، والذي يحزن لحزنك بوفاء نعمة أخرى، أما الإنسان الذي يبقى قريبًا منك في الحالتين معًا، لا تغيّره الظروف، ولا تحركه المصالح، بل تقوده المحبة الصافية وحدها… فهذا هو الصادق حقًا، وهذا هو الإنسان الذي يستحق أن نتمسك به ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

الأكثر قراءة

z