سلطان بن ناصر القاسمي
من طبيعة الإنسان أنَّه لا يستطيع أن يحمل همومه وحده طوال الوقت، فهناك لحظات يحتاج فيها إلى حديث صادق يخفف عنه شيئًا مما يشعر به، وإلى أذن تسمع، وقلب يفهم، وكلمة تطمئن. غير أنَّ الحياة علمتنا أن ليس كل مستمع مؤتمنًا، وليس كل قريب قادرًا على حفظ ما نودعه لديه من أسرار ومشاعر، ولذلك كانت الحكمة في اختيار من نفضفض له لا تقل أهمية عن الفضفضة نفسها.
ومن أجمل ما يعلمنا إياه القرآن الكريم أن حسن الاختيار لا يقل أهمية عن صدق المشاعر. ففي قصة نبي الله يوسف عليه السلام درس عظيم في هذا الجانب، حين قصَّ رؤياه على أبيه يعقوب عليه السلام، فكان الأب الحكيم الذي أدرك أنَّ بعض الأمور لا ينبغي أن تُقال لكل أحد، حتى وإن كان المُخاطب أخًا أو قريبًا، فقال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5).
هذه الآية الكريمة لا تدعونا إلى سوء الظن بالنَّاس، ولكنها تعلمنا أن الحكمة تقتضي أن نعرف متى نتحدث، ولمن نتحدث، وما الذي ينبغي أن يبقى في دائرة الخصوصية. فكثير من المشكلات لم تبدأ بسبب الحدث نفسه، بل بسبب كشفه أمام أشخاص غير مناسبين.
وقد قيل قديمًا: «الشكوى لغير الله مذلة»، وهي عبارة تحمل معاني عميقة تتجاوز ظاهر الكلمات. فالمقصود ليس أن يعيش الإنسان صامتًا على أوجاعه، أو أن يكتم آلامه حتى تنهكه، وإنما أن يجعل ثقته الكبرى بالله سبحانه وتعالى، وألا يحول همومه إلى حديث دائم على ألسنة الناس. فالناس يختلفون في طبائعهم ومواقفهم؛ فمنهم من يسمعك بدافع المحبة، ومنهم من يسمعك بدافع الفضول، ومنهم من يتابع تفاصيل حياتك ليجعلها مادة للحديث في المجالس، ومنهم من قد يراك ضعيفًا فيستغل لحظة انكسارك لمصلحة أو موقف أو مكسب شخصي.
ولذلك يبقى اللجوء إلى الله أعظم أبواب الراحة والطمأنينة. فالله سبحانه يعلم ما تخفيه الصدور، ويدرك ما تعجز الكلمات عن وصفه، ويعلم حجم الألم الذي لا يستطيع الإنسان التعبير عنه. وقد جسد نبي الله يعقوب عليه السلام هذا المعنى بأروع صورة حين قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يوسف: 86). لم يكن ذلك ضعفًا، بل كان قمة القوة؛ لأن المؤمن حين يلجأ إلى ربه يعلم أنه يلجأ إلى من بيده مفاتيح الفرج كلها.
كما أن الفضفضة إلى الله لا تحتاج إلى موعد أو ترتيب أو مقدمات. إنها حديث صادق في سجدة طويلة، أو دعاء في جوف الليل، أو دمعة تنساب بين يدي الخالق، أو مناجاة هادئة يشعر بعدها الإنسان بأن شيئًا من أثقاله قد زال، وأن صدره أصبح أوسع مما كان عليه قبل دقائق.
ومع ذلك فإنَّ الإسلام لم يدعُ إلى الانعزال عن الناس، بل دعا إلى التراحم والتكافل والتناصح. ولهذا كان من الطبيعي أن يحتاج الإنسان أحيانًا إلى شخص يثق به، يستمع إليه، ويعينه على تجاوز محنته، ويقدم له النصح الصادق. لكن الفرق يكمن في حسن الاختيار. فالصديق الحقيقي ليس من يعرف أسرارك فقط، بل من يحفظها. وليس من يسمع شكواك فحسب، بل من يدعو لك في غيابك، ويبحث لك عن مخرج، ويذكرك بالله إذا ضعفت، ويمنحك الأمل إذا ضاقت بك الدنيا.
ولعل بعض الناس يظنون أن كثرة الحديث عن مشكلاتهم تخفف عنهم العبء، بينما الحقيقة أن الإفراط في الشكوى قد يضاعف الشعور بالألم، ويجعل الإنسان يعيش المشكلة مرات عديدة كلما أعاد روايتها. كما أن كشف التفاصيل الخاصة أمام الجميع قد يفتح أبوابًا جديدة من الحرج وسوء الفهم والتدخلات غير المرغوبة، فتتحول المشكلة الصغيرة إلى مشكلة أكبر بسبب كثرة تداولها.
ولعل من الملاحظ في واقعنا الاجتماعي أن بعض النساء، بحكم طبيعتهن العاطفية وحاجتهن إلى من يشاركهن المشاعر، قد يتوسعن أحيانًا في الفضفضة أكثر مما ينبغي، فينتقل الحديث من طلب المواساة أو المشورة إلى كشف تفاصيل الحياة الأسرية أو الزوجية أمام أشخاص قد لا يدركن أثر نقل الحديث أو تداوله. ومع مرور الوقت تصبح أسرار البيوت حديثًا في المجالس، وربما أضيف إليها ما ليس فيها، فتتسع دائرة المشكلة بدل أن تضيق. ومن هنا فإننا نوجه رسالة صادقة لكل أخت كريمة بأن تتأنى في اختيار من تفضفض له، وأن تدرك أن خصوصية الأسرة أمانة، وأن ليس كل من يستمع يصلح أن يكون مؤتمناً على أسرار البيوت، فالكلمة التي تخرج في لحظة ضيق قد تترك أثرًا طويلًا لا يمكن استعادته أو محوه.
ومن الحكمة كذلك أن يدرك الإنسان أن لكل شخص ظروفه وأحواله. فليس كل وقت مناسبًا للفضفضة، وليس كل إنسان قادرًا على حمل أعباء غيره النفسية. لذلك فإن اختيار المستمع المناسب يحتاج إلى وعي وتقدير للموقف، تمامًا كما يحتاج إلى معرفة من يستحق أن نضع بين يديه شيئًا من أسرارنا ومشاعرنا.
إن الفضفضة الحكيمة ليست كثرة حديث، بل حسن اختيار. وهي ليست تفريغًا لكل ما في النفس، بل معرفة ما يُقال وما يُترك، ومن يُؤتمن ومن لا يُؤتمن. فبعض الكلمات إذا خرجت من أفواهنا لم تعد ملكًا لنا، وبعض الأسرار إذا غادرت صدورنا أصبحت عرضة للتأويل والتفسير والنقل.
ومن هنا فإن الإنسان القوي ليس ذلك الذي يكتم كل شيء حتى ينهار، ولا ذلك الذي يشتكي لكل من يلقاه، وإنما هو الذي يعرف كيف يوازن بين حاجته إلى التعبير عن مشاعره وبين حفاظه على خصوصيته وكرامته. يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يلجأ إلى الله، ومتى يستعين بمن يثق بحكمتهم وصدقهم.
ويبقى أجمل ما يملكه الإنسان في لحظات الضيق أن يكون بينه وبين الله باب لا يُغلق، وحديث لا ينقطع، وثقة لا تهتز. فإذا ضاقت به الدنيا وجد في الدعاء سعة، وإذا أثقلته الهموم وجد في التوكل راحة، وإذا خذله الناس وجد في قرب الله ما يغنيه عن الجميع. وحينها سيدرك أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى كثرة من يسمعها، بقدر ما تحتاج إلى قلب مؤمن يحسن اللجوء إلى ربه، وعقل حكيم يحسن اختيار من يأتمنه على أسراره ومشاعره.
