ماجد بن علي الهادي
"الذين يتقدمون باندفاع كبير يتراجعون بسرعة أكبر". منشيوس
*****
المتعارف عليه أن يكون العطاء والأخذ من جنس العمل. يكون الأخذ قدر العطاء، ويكون العطاء متكافئًا مع الأخذ. ومع اختلال ميزان العطاء والأخذ، يكون المعيار قد ناقضَ العملية. بمعنى لا تُستكمل المعادلة السوية إلا بالمنظور البعيد لغاية الهدف. فإن أردنا ديمومة الشيء وتأثيره الإيجابي المتواصل والممتد إلى آخر نقطة في مسار تحقيق الهدف، فما علينا إلا شحذ همتنا لتفعيل ذلك المسار بتوزيع مبدأ التوازن.
هذا المبدأ الذي يغفل عنه الكثير من الناس. يقوم هذا المبدأ على أساس وقاعدة حياتية، تكون معاييرها مبنية من خلال التعايش مع الأحداث والتكيف بها. يقوم جلّ الناس بتفريغ كل ما بجعبتهم من مشاعر وأحاسيس دفعة واحدة، فمثلًا يهدي الإنسان العزيز والقريب منه هدية ثمينة لمناسبة معينة. بعد مرور فترة من الزمن تحل مناسبة ذاتها أو مثيلها فيهدي بأقل من قيمة الهدية السابقة ثمنًا، وتتواصل الهدايا التالية بأقل وأقل إلى أن تنكمش. رد الفعل حتمًا سيكون للطرف المُهدى إليه امتعاضًا وإحساسًا بالدونية، مع العلم بأن الطرف الذي قدم الهدية لا يقصد ولا يتعمد ما سيُشعر به الطرف المُهدى إليه. بل عنده مبدأ بأن قيمة المُهدى إليه لا تُقدّر بثمن، وما الهدايا سوى رسائل محبة وتقدير واعترافًا بالاعتزاز لذلك الشخص.
هذا اللبس في التفسير، والاستنتاج الخاطئ لمعنى العطاء، تسبّب فيه الطرف الذي قدم ذلك الفعل الجميل الرائق المهذب. كيف ذلك؟! فالعطاء جميل.. الخطأ المرتكب هنا بالتأكيد غير متعمد، ويغفل عنه الكثير من الناس، الخطأ هنا يكمن في التسلسل القيمي لمعنى العطاء (الهدية) مثلًا كوننا ضربنا المثل عن الهدية في البداية؛ لأن العطاء الذي أعنيه لا يقتصر على الهدايا، قد تكون مشاعر، أو أساليب تعامل، وغيرها من الأفعال والتصرفات مع الطرف الآخر أيًّا كانت القرابة بينهم. الخطأ يكمن في التسلسل القيمي، أي أن العطاء بدأ بقوة واندفاع غير محسوب، ربما من شدة الحماس الذي تكتنفه مشاعرُ الذي يقوم بهذا الفعل، ربما لأن هذا الإنسان يكنّ معزّةً عظيمةً للطرف الآخر، ويحاول أن يبرهن ويترجم تلك المعزّة بهدية ثمينة من البداية. وما الهدايا التالية إلا استكمالًا وتوثيقًا لتلك المعزّة والمحبة الكبيرة. لم يكترث بقيمتها ولم يهتم لسعرها ولم يبالِ بجودتها أو مصدر إنتاجها. بينما المُهدى له سيتحسس ذلك، من خلال التمعن في الهدية التي تليها (ويقارنها بالهدية الأولى) ثمنًا وجودة وصناعة. وكان يُفترض من البداية أن تكون الهدية مرتبطة بالعد التصاعدي، أي أنه في المرة الأولى تكون وردة مثلًا، والمرة الثانية هدية ذات قيمة أعلى نسبيًا، وهكذا وفق العد التصاعدي القيمي.
هنا ستكون المشاعر مختلفة كليًا، ستكون الأحاسيس متصاعدة عاطفيًا، والإحساس سيختلف، لن يكون الشعور بالدونية موجودًا، ولن تتحسّس النفس الجانب السلبي من العلاقة. بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب يتصالح الأخذ والعطاء، وستتوازن معايير معادلة التواصل الناجح المثمر على مر الأزمان والظروف. بالتأكيد لا تنطبق المعطيات أعلاه مع كل العلاقات البشرية، ولا تتمحّص مع كل المشاعر المبنية بين طرفي التواصل، المبنية على أسس متينة لا علاقة لها بالهدايا وغيرها. وكما أسلفت المشاعر أيضًا لها نفس المردود. ولا أرمي هنا إلى (التقطير) في عطاءات الحب ومشاعر الأحاسيس الجميلة، وإنما إلى الارتقاء التصاعدي، إلى السمو التكاملي. الخالق سبحانه قادر أن يخلق السماوات والأرض فيما لا يُقدّر بزمن، ولكنه بحكمته خلقهنّ في أيام. الزمن هنا وبالحكمة الإلهية العظيمة أصبح معيارًا عظيمًا للتوازن العقلي والنفسي والروحي.
وهكذا حال البشر في الحقيقة، تحكمها المعادلات الحسيّة، وتؤطرها المشاعر اللاإراديّة، تلك المنبثقة من خلال التفاعل مع كل ما يحيط بالبشر، من مخلوقات وأهمها بني جنسهم. أنت تتعامل وتتفاعل مع إنسان بعقل وفكر مختلف، عقلك وروحك متمازجان مع عقل وروح امتزجت مع متطلبات الحياة، أنت تعيش في روزنامة أفعالك وأقوالك المرتبطة مع ردود أفعال متوقعة وغير متوقعة.
لذا... ابدأ بالقليل لتجني الكثير، وابدأ باليسير ليثمر معك الناضج. فليس السعيد من يرتبط فرحه بلحظة زمنية معينة، وإنما السعيد من قدر أن يحافظ على استمرارية سعادته، في مختلف الظروف والأحوال، من استطاع أن يوازن بين عطاءاته ويناسبها مع تقديراتها الفعلية. ودائمًا شعار الناجح (أتعب اليوم وأرتاح غدًا)، مع أن النجاح لا يصاحب المرتاح، لأنه سيعدّه كسلًا. ولكن الراحة في الشعار رمزًا لاستراحة محارب.
