تشو شيوان
يوافق هذا العام الذكرى الثلاثين لإقامة شراكة التنسيق الاستراتيجية الشاملة بين الصين وروسيا، كما يوافق الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين البلدين. وفي هذا التوقيت المفصلي، تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين لتعكس مجددًا المستوى الرفيع والطابع الخاص للعلاقات الصينية الروسية، كما تكشف في الوقت ذاته عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى الكبرى في العالم.
ومن زاوية التوقيت، تحمل هذه الزيارة دلالات استراتيجية واضحة؛ فخلال الأشهر الستة الماضية، شهدت بكين زيارات متتالية لقادة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وسط تصاعد ملحوظ في وتيرة التفاعلات بين الصين وكل من الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا. وفي ظل الاضطرابات الجيوسياسية المتزايدة والتغيرات المتسارعة في بنية النظام الدولي، باتت بكين تكرّس موقعها كمنصة رئيسية للحوار والتنسيق بين القوى الكبرى، بينما أصبحت العلاقات الصينية الروسية واحدة من أكثر العلاقات الثنائية استقرارًا وصلابة على الساحة الدولية.
وتكتسب زيارة بوتين أهمية إضافية لأنها تأتي بعد أيام قليلة فقط من انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين، في مشهد نادر يشهد زيارة رئيسي الولايات المتحدة وروسيا لبكين خلال أسبوع واحد. وهذا الإيقاع الدبلوماسي يحمل بحد ذاته رسالة مهمة مفادها أن الصين أصبحت رقمًا أساسيًا في معادلات التوازن الدولي، وأن القضايا الكبرى المرتبطة بالأمن الدولي والاقتصاد العالمي وإدارة الأزمات لم تعد قابلة للمعالجة من دون تنسيق مباشر مع بكين.
إنَّ قدرة العلاقات الصينية الروسية على الحفاظ على هذا المستوى المتقدم من الاستقرار تعود بالأساس إلى تجاوزها لمنطق الجغرافيا السياسية التقليدية، وتطورها إلى نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى؛ فهذه العلاقة لا تستهدف طرفًا ثالثًا، ولا تقوم على تحالفات أيديولوجية مغلقة، بل ترتكز على الثقة الاستراتيجية المتبادلة، وتقاطع المصالح الواقعية، والرغبة المشتركة في الدفاع عن نظام دولي أكثر تعددية وتوازنًا.
وقد شكّلت معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون، التي وُقّعت قبل خمسة وعشرين عامًا، الأساس المؤسسي لهذا المسار. واللافت أن توقيع المعاهدة جاء في مرحلة كانت تختلف جذريًا عن الظروف الحالية؛ إذ لم تكن العلاقات الروسية الغربية قد وصلت إلى مستوى التوتر القائم اليوم، كما لم تكن الشراكة الصينية الروسية قد بلغت هذا العمق. وهذا ما يؤكد أن تطور العلاقات بين البلدين لم يكن نتاج مواجهة ظرفية مع طرف ثالث، بل خيار استراتيجي طويل الأمد يستند إلى قراءة مشتركة للتاريخ والمصالح والتحولات الدولية.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت العلاقات الصينية الروسية تطورًا متواصلًا، من الثقة السياسية والتنسيق الاستراتيجي إلى التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد. وفي السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، لم يعد التعاون الاقتصادي بين البلدين محصورًا في تجارة النفط والغاز، بل بدأ يتجه بصورة متسارعة نحو نموذج أكثر تكاملًا يقوم على الربط بين الطاقة والتكنولوجيا والتمويل.
وتشير البيانات إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ عام 2025 نحو 227.9 مليار دولار، متجاوزًا حاجز 200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي، فيما حافظت الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري لروسيا للسنة السادسة عشرة. كما سجلت التجارة الثنائية خلال الربع الأول من العام الحالي نموًا مزدوج الرقم، ما يعكس متانة العلاقات الاقتصادية بين الطرفين.
وفي الوقت نفسه، تتواصل عملية تحسين هيكل التجارة الثنائية، مع ارتفاع حصة المنتجات الميكانيكية والتكنولوجية المتقدمة، وتوسع التعاون في مجالات التجارة الإلكترونية والتسويات بالعملات المحلية والمدفوعات الرقمية والممرات البحرية القطبية والطاقة الخضراء. وهذا يعني أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تعد قائمة فقط على توسيع حجم التبادل التجاري، بل أصبحت تتجه نحو اندماج أعمق على مستوى سلاسل الصناعة والتوريد والتكنولوجيا.
وفي ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد النزعات الحمائية والمنافسة التكنولوجية، فإن تعزيز التنسيق الصناعي بين الصين وروسيا لا يساهم فقط في تعزيز قدرة البلدين على مواجهة الضغوط الخارجية، بل يوفر أيضًا دعمًا إضافيًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تزداد أهمية التنسيق الاستراتيجي بين البلدين مع استمرار حالة الاضطراب الدولي. فالأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب الأوكرانية، والتحديات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية وسلاسل التوريد، كلها عوامل تدفع بكين وموسكو إلى تكثيف التنسيق في القضايا الدولية الكبرى.
وفي التعامل مع هذه الملفات، يؤكد الطرفان رفضهما لسياسات العقوبات الأحادية والتدخلات العسكرية ونهج الاستقطاب والمحاور، ويتمسكان بدور الأمم المتحدة وبأولوية الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاعات الدولية. وقد ظهر هذا التنسيق بوضوح في المواقف المشتركة داخل مجلس الأمن بشأن تطورات الشرق الأوسط وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وكذلك في الدعوات المتكررة لتجنب انزلاق النظام الدولي نحو منطق الصراع الصفري والمواجهة المفتوحة بين التكتلات الدولية.
والحقيقة أن العالم اليوم يعاني نقصًا متزايدًا في الاستقرار واليقين والقدرة على التنبؤ بالمستقبل؛ فالعولمة تواجه ضغوطًا غير مسبوقة، والصراعات الإقليمية تتوسع، والمنافسة بين القوى الكبرى تتصاعد، فيما يواجه نظام الحوكمة العالمية اختلالات متزايدة. وفي مثل هذا السياق، لا تنبع أهمية العلاقات الصينية الروسية فقط من وزن البلدين، بل أيضًا من كونها تقدم نموذجًا مختلفًا لطريقة تعامل القوى الكبرى فيما بينها بعيدًا عن عقلية الحرب الباردة.
فمن خلال التمسك بمبادئ عدم الانحياز وعدم المواجهة وعدم استهداف طرف ثالث، والدعوة إلى التعاون المتبادل واحترام المصالح الجوهرية لكل طرف، تعكس العلاقات الصينية الروسية رؤية جديدة للعلاقات الدولية تتناسب مع طبيعة العالم متعدد الأقطاب.
ويقف العالم اليوم عند مفترق طرق تاريخي جديد. ومن هنا، فإن زيارة بوتين إلى الصين لا تمثل مجرد محطة دبلوماسية ثنائية، بل تشكل أيضًا حدثًا استراتيجيًا يرتبط بمستقبل النظام الدولي واتجاهاته المقبلة. فهي لا تتعلق فقط بمسار العلاقات الصينية الروسية، بل ترتبط كذلك بالسؤال الأوسع حول قدرة العالم على الحفاظ على السلام والاستقرار والتعاون في ظل التحديات والانقسامات المتزايدة.
وفي زمن تتزايد فيه حالة عدم اليقين، فإن استمرار العلاقات الصينية الروسية في التقدم يمثل بحد ذاته عامل استقرار مهم على الساحة الدولية.
