قمة صينية أمريكية لضخ المزيد من الاستقرار في عالم مضطرب

 

 

 

تشو شيوان **

يشهد العالم اليوم تحولات عميقة ومتسارعة، في ظل تباطؤ تعافي الاقتصاد العالمي واستمرار تداعيات الأزمات الجيوسياسية، وفي هذا السياق تحظى القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، المقرر عقدها خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو الجاري باهتمام دولي واسع، فالعلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم لا تتعلق فقط بمصالح الشعبين، بل تؤثر بصورة مباشرة في السلم والاستقرار والتنمية على مستوى العالم.

هذه الزيارة تمثل أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ تسع سنوات، كما تتزامن مع الذكرى الخامسة والخمسين لدبلوماسية كرة الطاولة بين البلدين، ففي عام 1971 نجح لاعبو كرة الطاولة من الجانبين في فتح الباب أمام كسر الجمود بين بكين وواشنطن، فيما عُرف لاحقا بعبارة "الكرة الصغيرة التي حركت الكرة الكبيرة"، لتصبح تلك اللحظة محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية، وبعد مرور 55 عامًا، ورغم التغيرات العميقة التي يشهدها العالم، ما تزال التجربة تثبت أن الحوار والتعاون يظلان الخيار الأكثر انسجامًا مع مصالح البلدين والعالم، مقارنة بسياسات المواجهة والصدام، واليوم يتطلع المجتمع الدولي إلى أن تستلهم بكين وواشنطن حكمة التاريخ من أجل إضفاء المزيد من الاستقرار على العلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة.

لقد مرت العلاقات الصينية الأمريكية خلال السنوات الماضية بمراحل من التوتر والتقلب. ومع تزايد التحديات العالمية وتصاعد حالة عدم اليقين الدولي، بات الجانبان يدركان بصورة أكبر أهمية الحفاظ على قنوات التواصل ومنع سوء التقدير وإدارة الخلافات بشكل مسؤول. ولهذا، يعلق كثيرون آمالًا على أن تسهم هذه القمة في تعزيز مسار استقرار العلاقات بين البلدين، بما ينعكس إيجابًا على المشهد الدولي المضطرب.

ومن المتوقع أن تحتل القضايا الاقتصادية والتجارية موقعًا رئيسيًا على جدول أعمال القمة؛ ففي السنوات الأخيرة، أدت الرسوم الجمركية الأمريكية والإجراءات التقييدية في المجال التكنولوجي ومحاولات إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية إلى إرباك الأسواق الدولية وإضعاف الثقة الاقتصادية، وقد أثبتت الوقائع مرارًا أن جوهر العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة قائم على المنفعة المتبادلة، وأن سياسات “فك الارتباط” وبناء الحواجز الاقتصادية لا تخدم مصالح أي طرف، كما لا تساعد على تعافي الاقتصاد العالمي.

ومن النقاط الجديرة بالاهتمام أيضًا، مرافقة 16 من كبار التنفيذيين الأمريكيين للرئيس الأمريكي خلال زيارته إلى الصين، يمثلون قطاعات التكنولوجيا والتمويل والصناعة والطيران وغيرها. ومن المتوقع أن يشارك مسؤولون من شركات كبرى مثل آبل وتسلا وبوينغ وبلاكستون وبلاك روك في الأنشطة المصاحبة للزيارة، ويعكس ذلك بوضوح أن مجتمع الأعمال الأمريكي ما يزال ينظر إلى السوق الصينية باعتبارها سوقًا استراتيجية لا يمكن تجاهلها، وأن الشركات متعددة الجنسيات لا تزال ترى في استقرار العلاقات الاقتصادية بين البلدين مصلحة حيوية لها وللاقتصاد العالمي.

وفي المقابل ما تزال المنافسة التكنولوجية والقضايا الأمنية تمثل تحديات هيكلية في العلاقات الثنائية، ففي مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والصناعات المتقدمة، واصلت واشنطن خلال السنوات الأخيرة توسيع مفهوم “الأمن القومي” وفرض قيود على الشركات الصينية، الأمر الذي أدى إلى اضطراب النظام التجاري الدولي وزيادة هشاشة سلاسل التوريد العالمية، ومن ثم فإن كيفية الحفاظ على قدر من التعاون وسط المنافسة، ومنع تحول الخلافات إلى مواجهات مفتوحة، ستبقى اختبارًا مهمًا للحكمة الاستراتيجية لدى الطرفين.

تظل مسألة تايوان من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الصينية الأمريكية؛ فبالنسبة للصين، ترتبط المسألة مباشرة بالسيادة الوطنية ووحدة الأراضي، وتمثل الخط الأحمر الأول الذي لا يمكن تجاوزه في العلاقات مع الولايات المتحدة. وخلال السنوات الأخيرة، واصلت واشنطن توسيع مبيعات الأسلحة إلى تايوان وتعزيز الاتصالات الرسمية معها؛ الأمر الذي أدى إلى تصاعد تعقيدات الوضع في مضيق تايوان، وقد أثبت التاريخ والواقع أن أي محاولة لاستخدام تايوان كورقة للضغط على الصين ستؤدي في النهاية إلى الإضرار بالعلاقات الصينية الأمريكية. ومن هنا، فإن الالتزام الفعلي بمبدأ “الصين الواحدة” وبالبيانات المشتركة الثلاثة بين البلدين سيظل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وفي ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط، وما يرافقها من ضغوط على أسواق الطاقة وحركة الملاحة والأسواق المالية العالمية، تتحمل الصين والولايات المتحدة، باعتبارهما قوتين دوليتين مؤثرتين، مسؤوليات إضافية تجاه المجتمع الدولي. وتترقب دول العالم أن يعمل الجانبان على تعزيز التنسيق والحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية ومنع اتساع رقعة الصراعات الإقليمية.

وخلال السنوات الأخيرة، واصلت الصين الدعوة إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وتبنت مفهومًا للأمن يقوم على الشمولية والتعاون والاستدامة، كما أدّت دورًا بنّاءً في دعم جهود التهدئة والحوار في العديد من القضايا الدولية والإقليمية. وفي المقابل، فإن استمرار بعض القوى في تبني سياسات الاستقطاب والمواجهة الجيوسياسية لا يسهم في حل الأزمات، بل يزيد من حالة القلق والانقسام على المستوى الدولي.

إنَّ العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة من التغيرات والتحولات الكبرى. ولهذا، فإن اهتمام المجتمع الدولي بهذه الزيارة لا يقتصر على متابعة مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية فحسب، بل يمتد إلى التساؤل حول قدرة البلدين على توفير قدر أكبر من اليقين والاستقرار للنظام الدولي بأسره.

لقد أثبت التاريخ مرارًا أن التعاون بين الصين والولايات المتحدة يعود بالنفع على الطرفين، بينما تؤدي المواجهة إلى الإضرار بمصالحهما المشتركة. وفي نهاية المطاف، فإن المهمة الأهم أمام البلدين ليست تحقيق مكاسب ظرفية أو آنية، بل إيجاد صيغة صحيحة للتعايش بين قوتين كبيرتين في العصر الجديد، على أساس الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجميع، وهذا لا يخدم مصالح الشعبين فقط؛ بل يتوافق أيضًا مع تطلعات المجتمع الدولي بأسره.

** كاتب صيني

الأكثر قراءة

z