أنور الخنجري
في ظل واقع إقليمي مضطرب تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحولات الجارية في منطقة الخليج وأهدافها الحقيقية؛ فالمنطقة تشهد تحولات متسارعة تعكس وجود ترتيبات أعمق من مجرد استهداف طرف بعينه.
ورغم أن إيران تقع في قلب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلّا أن المؤشرات السياسية والاستراتيجية توحي بأن نطاق هذه المواجهة يتجاوزها، ليطال إعادة رسم ملامح الإقليم وإعادة توزيع موازين القوى فيه. وبينما تدرك بعض الأطراف الإقليمية أبعاد هذه المرحلة، تميل أطراف أخرى إلى المراهنة على إمكانية التأثير في مسارها عبر التقارب مع الولايات المتحدة، على أمل تعديل توجهاتها أو تقليل كلفة التحولات المرتقبة. وفي هذا الإطار، تتباين مواقف دول المنطقة بين الانخراط في هذه التحولات أو محاولة التكيّف معها، فيما تبرز نماذج حريصة على الحفاظ على توازنها وثوابتها، واضعةً الاستقرار الإقليمي فوق اعتبارات الاصطفاف.
وفي موازاة ذلك، يتسم المشهد بحالة من الجمود الاستراتيجي وحرب أعصاب بين إيران والولايات المتحدة، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلات ردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون مكلفة للجميع. هذه الحالة من "اللاحرب واللاسلم" تُبقي المنطقة في دائرة التوتر والترقب، وتفتح المجال أمام أشكال متعددة من التصعيد غير المباشر، سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو التحركات السياسية والعسكرية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويطيل أمده.
وفي خضم هذه التطورات، تتضح أبعاد أوسع للصراع، إذ يمتد ليشمل إضعاف إيران كقوة إقليمية، بالتوازي مع الدفع نحو إعادة تشكيل التوازنات وتهيئة البيئة السياسية لملفات حساسة، من أبرزها ملف التطبيع، الذي يُطرح ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. ويعكس ذلك ترابط المسارات السياسية والعسكرية مع مساعي إعادة بناء النظام الإقليمي.
وفي مقابل كل هذه التعقيدات، يبرز الموقف العُماني بوصفه نموذجًا للثبات والاتزان؛ إذ تواصل سلطنة عُمان التمسك بمبادئ سياستها الخارجية القائمة على الحياد الإيجابي وعدم الانخراط في محاور الصراع. وقد أكدت السلطنة بوضوح رفضها الانضمام إلى أي تكتلات ذات طابع إقصائي، كما شددت على عدم المضي في مسار التطبيع مع إسرائيل في ظل غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية. هذا النهج العماني يمتد ليشمل أيضاً رفضًا واضحًا لأي دور قد يسهم في تأجيج النزاعات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الانخراط في الصراعات لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات واستنزاف الموارد، وهو ما يتعارض مع المصالح الحيوية لعُمان ولمحيطها الإقليمي.
وانطلاقًا من هذا النهج المتوازن، تواصل السلطنة جهودها الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتهيئة الظروف للعودة إلى الحوار، مستفيدةً من إرثها الطويل في الوساطة وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ مكانة عُمان كطرف موثوق قادر على لعب دور إيجابي في تقريب وجهات النظر وتعزيز فرص الاستقرار.
ورغم وضوح هذا الدور، لا تخلو الساحة الإعلامية من محاولات للتشكيك فيه والتقليل من جدواه، عبر أقلام ومنصات تتبنى قراءات مسيّسة تنطلق من منطق الاستقطاب الإقليمي. وغالبًا ما تتجاهل هذه الطروحات طبيعة السياسة العُمانية القائمة على الاستقلالية، وتحاول تصوير الحياد باعتباره موقفًا سلبيًا، في حين أن التجربة العملية أثبتت أن هذا النهج مكّن السلطنة من الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، وعزز من قدرتها على أداء أدوار الوساطة في لحظات بالغة الحساسية.
إنَّ هذه الحملات، في جانب منها، تعكس تباينًا في فهم طبيعة الأدوار الإقليمية، كما تكشف عن انزعاج من نموذج سياسي يرفض الانخراط في الاستقطاب الحاد ويتمسك بقراره المستقل. ومن هنا، فإن استهداف الدور العُماني إعلاميًا لا يمكن فصله عن محاولات دفع مختلف الأطراف نحو الاصطفاف ضمن معادلات لا تنسجم بالضرورة مع مصالحها الوطنية.
وقراءة المشهد الإقليمي من هذا المنظور تؤكد أهمية تبنّي مقاربات عقلانية تُوازن بين حماية المصالح الوطنية وتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. وفي هذا الإطار، يبرز النهج العُماني كنموذج مختلف في إدارة السياسة الخارجية، يقوم على الحكمة والاعتدال، ويعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المرحلة.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، تبدو الحاجة ملحّة إلى مثل هذه المقاربات التي تعطي الأولوية للحلول السلمية وتسعى إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من التوتر؛ فبين تصاعد الأزمات وتشابك الحسابات، يظل الرهان على الدبلوماسية والاتزان خيارًا واقعيًا وضرورة لحماية استقرار المنطقة وصون مستقبلها.
