أحمد بن محمد العامري
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض في ساحات القتال وحدها ولم يعد الانتصار فيها مرهونًا بالتفوق العسكري أو التكنولوجي فحسب، فمع التطور الهائل في وسائل الاتصال والإعلام، برز نوع آخر من الصراعات أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، وهو الصراع على الوعي والإدراك. ففي كثير من الأحيان لا يبدأ الهجوم بالدبابة ولا يُحسم بالصاروخ، بل يبدأ خبرٍ مصاغ بعناية أو مصطلحٍ يجري تكراره حتى يستقر في الوجدان الجمعي بوصفه حقيقة لا تقبل النقاش، لقد أصبحت العقول ميدانًا رئيسيًا للحروب المعاصرة، وأصبح التأطير السيكولوجي أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في تشكيل المواقف وصناعة القناعات وتوجيه الرأي العام.
ويقصد بالتأطير السيكولوجي وضع الأحداث والأفكار والأشخاص داخل إطار ذهني محدد يدفع المتلقي إلى فهمها بطريقة معينة دون غيرها، فالجمهور لا يتعامل غالبًا مع الوقائع في صورتها الخام، إنما يتلقاها عبر وسيط يختار ما يُبرز وما يُهمّش وما يُقدَّم على أنه مشكلة وما يُقدَّم على أنه حل. ومن هنا تنبع قوة التأطير؛ فهو لا يفرض على الناس ما يفكرون فيه بصورة مباشرة، إنما يؤثر في الطريقة التي يفكرون بها تجاه قضية معينة.
وعندما ترغب جهة ما في تشويه فكرة أو إسقاط مشروع أو إضعاف تيار فكري، فإنها لا تكتفي بمواجهته بالحجج والبراهين، بل تسعى إلى إحاطته بإطار نفسي سلبي يجعله يبدو تهديدًا للاستقرار أو خطرًا على المجتمع أو مصدرًا للفوضى، ومع تكرار هذا الإطار تتراجع قدرة المتلقي على النظر إلى الفكرة بموضوعية، لأن الصورة الذهنية التي تكوّنت عنها أصبحت أقوى من مضمونها الحقيقي. وفي المقابل، عندما يكون الهدف تلميع شخصية أو جهة أو مشروع سياسي، تُبنى حوله رواية إعلامية تجعله يبدو المخلّص أو المنقذ أو الخيار الوحيد الممكن، حتى لو كانت الوقائع أكثر تعقيدًا مما يُعرض للجمهور.
وتزداد خطورة التأطير السيكولوجي عندما يتحول إلى أداة لإعادة تعريف المفاهيم والقيم. فالكلمات في المجال السياسي والإعلامي ليست مجرد وسائل للتعبير، إنما هي أدوات لإنتاج المعاني وتوجيه الإدراك، لذلك تُخاض معارك حقيقية حول المصطلحات المستخدمة لوصف الأحداث. فقد يُوصف الاحتلال بأنه "إدارة أمنية"، ويُقدَّم الاستسلام باعتباره "سلامًا"، وتُسمّى التنازلات الكبرى "حلولًا واقعية"، بينما تُمنح بعض أشكال التبعية أو الخضوع أوصافًا إيجابية تجعلها أكثر قبولًا لدى الرأي العام، وعندما يتغير الاسم، يبدأ المعنى بالتغير تدريجيًا في أذهان الناس، حتى تصبح المواقف التي كانت مرفوضة في السابق مقبولة أو حتى محبذة.
ولا يعتمد التأطير السيكولوجي على الكذب الصريح دائمًا على اساس "عدم قول الحقيقة ليس كذباً"، بل غالبًا ما يستند إلى انتقاء أجزاء من الحقيقة وإبرازها بطريقة تخدم هدفًا محددًا. فقد تكون المعلومات صحيحة من حيث المبدأ، ولكن طريقة ترتيبها وعرضها واختيار سياقها تؤدي إلى استنتاجات مختلفة تمامًا. ولهذا فإن أخطر أشكال التأثير ليست تلك التي تصنع واقعًا وهميًا بالكامل، بل تلك التي تعيد تفسير الواقع القائم بما يخدم رواية معينة. فالصورة الواحدة قد تُستخدم لإثارة التعاطف أو التحريض أو التخويف، والخبر نفسه قد يُقدَّم بوصفه إنجازًا أو كارثة بحسب الإطار الذي وُضع فيه.
وتُظهر التجارب السياسية والتاريخية أن السيطرة على الوعي قد تكون أكثر استدامة من السيطرة على الأرض. فالقوة العسكرية تستطيع فرض النفوذ لفترة معينة، أما السيطرة على الإدراك فتمكّن من إعادة تشكيل المواقف والقيم والسلوكيات على المدى الطويل. ولهذا تستثمر القوى السياسية والمؤسسات الإعلامية مبالغ ضخمة في صناعة الخطاب، لأنها تدرك أن كسب العقول يسبق غالبًا كسب المعارك الأخرى. وعندما يقتنع الناس برواية معينة، فإنهم يدافعون عنها بأنفسهم، ويعيدون إنتاجها داخل مجتمعاتهم دون حاجة إلى ضغط مباشر.
ومن أخطر نتائج التأطير السيكولوجي أنه قد ينجح في قلب المعايير الأخلاقية والإنسانية رأسًا على عقب. ففي بعض الحالات تتحول الضحية إلى متهم، ويُصوَّر المعتدي على أنه صاحب حق. وقد يصل الأمر إلى درجة تجعل بعض الأفراد يدافعون عن الجهات التي ألحقت بهم الضرر وآخر يمجد الاحتلال، بينما يهاجمون من يسعى إلى الدفاع عن حقوقهم أو التعبير عن معاناتهم أو كفاحهم ضد المستعمر. وعندما يحدث ذلك، فإننا لا نكون أمام مجرد نجاح إعلامي، بل أمام عملية عميقة لإعادة تشكيل الوعي وإعادة تعريف الواقع نفسه.
إن التأطير السيكولوجي ليس مجرد تقنية إعلامية أو وسيلة دعائية عابرة، بل هو أحد أبرز أدوات "هندسة الوعي" في العصر الحديث. ومن يمتلك القدرة على تحديد الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث يمتلك تأثيرًا واسعًا في اتجاهات الرأي العام وسلوك الجماعات. لذلك أصبحت الحاجة إلى التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، ومقارنة الروايات المختلفة، ضرورة لا غنى عنها في عالم تتنافس فيه القوى المختلفة على تشكيل الإدراك قبل تشكيل الوقائع. فالمعركة الحقيقية في كثير من الأحيان لا تدور حول ما حدث، بل حول المعنى الذي يُمنح لما حدث. ومن ينجح في التحكم بهذا المعنى، يقترب كثيرًا من التحكم بمواقف الناس وقراراتهم ومستقبلهم.
