ناصر بن سلطان العموري
يوم العمال العالمي (International Workers' Day) هو احتفال سنوي يقام في الأول من شهر مايو من كل عام في معظم دول العالم، ويُعد إجازة رسمية في أكثر من 100 دولة، وتعود جذور هذا اليوم إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى احتجاجات عمالية واسعة بدأت في شيكاغو بالولايات المتحدة عام 1886، طالب العمال حينها بتقليص ساعات العمل اليومية من 12-16 ساعة إلى 8 ساعات فقط، تحت شعار: "8 ساعات للعمل، 8 ساعات للراحة، 8 ساعات للنوم".
تمُر ذكرى يوم العمال العالمي هذا العام، والقطاع الخاص لا يزال يعيش مخاضًا عسيرًا بين طموحات الكوادر الوطنية وواقع التحديات التي تفرضها تقلبات السوق وهيمنة العمالة الوافدة. ورغم أنَّ هذا اليوم وُجد أصلًا ليكون وقفة للمراجعة وصوتًا للمطالبة بالحقوق، إلّا أن المشهد العام بات يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى هذه الاحتفالات التي تحولت في نظر الكثيرين إلى بروتوكولات احتفائية ووعود براقة، تفتقر إلى الأطر القانونية الصارمة والقرارات الجريئة التي تلامس جرح المواطن الكادح على أرض الواقع.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز دور "الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان" كمنصة نقابية وحيدة يُفترض بها أن تكون حائط الصد الأول عن حقوق العاملين، إلّا أن المتابع لواقع العمل النقابي يلحظ أن دور الاتحاد يظل غير كافٍ ومكبلًا بتحديات هيكلية فهو يجد نفسه وحيدًا في مواجهة تغول بعض شركات القطاع الخاص، في ظل ضعف التنسيق والدعم من المؤسسات الحكومية الأخرى التي تكتفي أحيانًا بدور المراقب بدلًا من الشريك الحامي.
إن غياب التكامل بين أدوار الاتحاد والجهات الرقابية والتشغيلية يجعل من التحركات النقابية مجرد "معالجات ظرفية عاجلة" بدلًا من وضع استراتيجيات استباقية تمنع وقوع الأزمات، مما يترك الموظف العماني في حالة من المكاشفة أمام قرارات التسريح أو تجميد الأجور دون ظهير حكومي صلب يمنح الاتحاد "الصلاحيات الرقابية النافذة" اللازمة لفرض احترام القانون.
إن الحلول الناجعة للقضايا الشائكة التي يواجهها القطاع الخاص لا تكمن في زيادة عدد الاحتفالات والمناسبات، بل في تبني حزمة من الإجراءات التنفيذية أولها "ربط الحوافز الحكومية والمنح الممنوحة للشركات" بمدى استقرارها الوظيفي ونسبة التعمين النوعي فيها، لا الكمي فحسب وثانيها، "تفعيل نظام الإنذار المبكر" للتسريح عبر منصة إلكترونية مشتركة بين وزارة العمل والاتحاد العام للعمال، تمنع إنهاء خدمة أي مواطن قبل مراجعة شاملة لميزانيات الشركة ومبررات وأسباب التسريح إن وجدت من قبل لجنة محايدة تملك سلطة النقض وثالثها، معالجة ملف "الفجوة في الأجور" عبر إقرار سُلم رواتب وطني بالقطاع الخاص يربط الحد الأدنى للأجر بمعدلات التضخم السنوية، ويضع قيودًا ضريبية على الشركات التي تمنح الوظائف القيادية للوافدين على حساب الكفاءات الوطنية.
إن النقد الموجه هنا لا يستهدف الاحتفاء بالعمل؛ بل يستهدف "الفجوة" بين الخطاب والواقع؛ إذ يفتقد الوسط العمالي إلى صدور بيانات ختامية شجاعة أو مناشدات صريحة تُرفع للجهات العليا، تتضمن خططًا زمنية ملزمة لعلاج ملفات الأجور المجمدة، وتعديل قوانين العمل بما يضمن حماية المواطن من إنهاء الخدمة التعسفي. وتحويل هذا اليوم إلى مجرد تجمع للوعود دون مخرجات ملموسة، يُضعف من ثقة العامل في مؤسساته النقابية التي من المفترض أن تكون "خندقًا" للدفاع عنه لا منصة للمجاملات مع أصحاب العمل.
إنَّ المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة "الاحتفال بالعمال" إلى مرحلة "الاحتفاء بالمنجزات القانونية"؛ فلا قيمة لأي حفل لا يتبعه قرار يمنح الأمان الوظيفي، أو بيان شجاع يرفع للجهات العليا يطالب بدعم الاتحاد العام للعمال ماديًا وتشريعيًا ليكون ندًا حقيقيًا في طاولة المفاوضات الجماعية إن دمج هموم الموظف في رؤية وطنية شاملة، وحماية كرامته المهنية من هيمنة العمالة الوافدة، هو الحل الوحيد ليعود ليوم العمال رونقه، وليشعر المواطن بأن صوته مسموع خلف الأبواب المغلقة، لا مجرد رقم في حفل تكريم ينتهي بمجرد انطفاء الأضواء.
