"سوق الشجيعية".. بين عراقة المكان وتعثر القرار

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

في قلب مطرح المدينة التي تختزل ذاكرة البحر والتجارة والتراث العُماني العريق، يقف مبنى سوق الشجيعية شاهدًا صامتًا على واحدة من أكثر قضايا الجمود الإداري غرابةً واستمرارًا؛ فمنذ أكثر من عشرين عامًا، ظل المبنى مهجورًا موصد الأبواب عافه النسيان، فلا هو استُثمر ليكون رافدًا تجاريًا كما خُطط له، ولا أُزيل ليفسح المجال أمام مشاريع تطويرية تُعيد رسم المشهد الحضري لمطرح، ولا هو بقي على حاله لتنشيط الحركة التجارية ويحد من الازدحام من خلال توفير مواقف كافية لزوار السوق خلال مواسم التسوق.

ومع مرور السنوات، تحوّل المبنى إلى هيكل مهجور يثقل ذاكرة المكان وواقعه الاقتصادي، وأصبح مرتعًا للحيوانات السائبة ومصدر قلق أمني واجتماعي في تحول المبنى إلى ملاذ لبعض الممارسات السيئة التي تسيء إلى جمالية المنطقة القديمة وهدوئها، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول الدور الفعلي لأعضاء المجلس البلدي الممثلين للولاية، ولماذا بقي هذا الملف حبيس الأدراج طوال هذه السنوات من دون حلول ملموسة تنهي معاناة السكان والزوار.

ولا يقف الأمر عند حدود الإهمال الظاهري؛ إذ تكشف المطالبات الشعبية وما يتردد في أوساط الأهالي عن بُعد آخر أكثر تعقيدًا. فبحسب ما يُتداول، يعود أحد أبرز أسباب هذا التعطيل المزمن إلى خلاف إداري وتنازع صلاحيات بين جهتين حكوميتين حول ملكية السوق وإدارته، وهكذا وجد المبنى نفسه رهينة منطقة رمادية قانونية؛ فلا الجهة الأولى مضت في خطط التطوير، ولا الجهة الثانية تنازلت لتمكين الاستثمار، لتدخل القضية في حالة من الشلل الكامل، بينما ظل المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن هذا التنازع من راحته وأمنه ووقته.

لكن المعضلة الأكبر التي يجسدها استمرار إغلاق سوق الشجيعية لا تتمثل فقط في ضياع الفرص الاستثمارية للمبنى المهجور، بل في أزمة المواقف الخانقة التي تحولت إلى كابوس في مطرح؛ حيث إن مرتادي السوق الشهير يضطرون إلى الدوران في حلقات مفرغة بحثًا عن موقف لمركباتهم، لينتهي بهم الأمر غالبًا إلى الوقوف العشوائي أو المزدوج، وما يرافق ذلك من مخالفات مرورية واستنزاف يومي للأعصاب.

هذا الواقع لا يُرهق الزوار وحدهم، بل ينعكس بصورة مباشرة على سكان المنطقة، الذين باتوا يعيشون ازدحامًا دائمًا يخنق الشوارع الرئيسية والمداخل السكنية وأصبح العثور على موقف أمام المنازل تحديًا يوميًا، فيما يتزايد القلق من تعذر وصول سيارات الإسعاف أو الدفاع المدني في الحالات الطارئة نتيجة التكدس المروري الحاد.

يبدو من غير المقبول أن تظل منطقة بحجم ومكانة مطرح تُعاني هذا القدر من الترهُّل في إدارة الأصول واستثمار المواقع الحيوية، ولهذا جاءت المطالبات برؤية استثمارية جريئة تعيد الحياة إلى هذا الموقع الاستراتيجي، من خلال إنشاء مواقف واسعة وذكية تحت الأرض تستوعب مئات المركبات، مع إقامة مجمع تجاري حديث وعصري فوق الأرض يعيد النبض الاقتصادي إلى المنطقة ويجذب جيلًا جديدًا من المتسوقين والسياح، ويرفع في الوقت نفسه القيمة السوقية للعقارات المحيطة.

إنَّ إحياء سوق الشجيعية لم يعد مجرد مشروع عُمراني مؤجَّل، بل بات مطلبًا شعبيًا مُلِحًّا، وضرورة تنموية تمَس حاضر مسقط ومستقبلها فبقاء هذا المبنى على حاله لا يعني سوى استمرار نزيف الفرص الاستثمارية وتشويه المشهد الحضري، وتعميق معاناة السكان. أما الحل الحقيقي، فلن يبدأ إلّا عندما يُنتشل هذا الملف من الأدراج المغلقة ويُوضع على طاولة التنفيذ، ليستعيد سوق الشجيعية شيئًا من بريقه وتوهجه ويعود كوجهة تسوق منظمةً ومريحةً تليق بمكانة مطرح كمزار سياحي وتجاري عريق.

الأكثر قراءة

z