قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.. حماية للمجتمع أم تقييد لمساحة التعبير؟!

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

 

مع تسارع التحول الرقمي واتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الآراء، بل أصبح ساحة مفتوحة تتداخل فيها حرية التعبير مع المسؤولية القانونية والاجتماعية وفي هذا السياق، جاء القانون الجديد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (61/2026) ليطرح نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين حماية المجتمع وضمان حرية الرأي والتعبير.

فمنذ صدور القانون، انقسمت الآراء بين مؤيد يرى فيه خطوة ضرورية لحماية المجتمع، ومُتخوِّف يتساءل: هل ستضيق مساحة التعبير على الناس؟

والحقيقة أن هذا التساؤل مشروع، خاصة في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا اليومية، ومنبرًا مفتوحًا للجميع دون استثناء فاليوم يستطيع أي شخص أن ينشر رأيه أو يعرض قضية أو يوصل صوته إلى آلاف المتابعين خلال دقائق معدودة، وهي ميزة لم تكن متاحة قبل سنوات.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل ما شهدته هذه المنصات خلال الفترة الأخيرة من ممارسات أثارت الكثير من الجدل، فكم من شائعة انتشرت وأقلقت الناس قبل أن يتبين عدم صحتها؟ وكم من شخص تعرض للتشهير أو التنمُّر أو انتهاك خصوصيته تحت شعار حرية التعبير؟ وكم من خلاف عائلي أو مشكلة شخصية تحولت إلى مادة للتداول والبحث عن المشاهدات؟ وكم من أطفال تم استغلال براءتهم وعمالة وافدة تم استغلال حاجتهم لعمل إعلان ترويجي؟

من هنا، يبدو أن القانون جاء استجابة لواقع جديد فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، وليس لمجرد وضع قيود إضافية على المستخدمين؛ فالمجتمع مثلما يحتاج إلى حرية الرأي، يحتاج أيضًا إلى حماية أفراده من الإساءة والاستغلال والتضليل والإضرار بالسمعة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل سيؤثر القانون على النقد وطرح القضايا المجتمعية؟

في تقديري أن الفرق كبير بين النقد والإساءة؛ فمن يناقش قضية تتعلق بالخدمات أو التعليم أو فرص العمل أو غلاء المعيشة بلُغة محترمة ومُستنِدة إلى الحقائق، لا يمارس جريمة، بل يؤدي دورًا مهمًا في نقل هموم المجتمع وتسليط الضوء على التحديات القائمة أما من يعتمد على الشائعات أو التشهير أو نشر الخصوصيات أو إثارة الفتن، فهو يبتعد عن النقد ويتجه إلى مسار آخر مختلف تمامًا.

ومن هنا، فإن نجاح القانون لن يقاس بعدد المخالفات التي يتم ضبطها أو العقوبات التي يتم تطبيقها؛ بل بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع والحفاظ على مساحة النقد البناء والحوار المسؤول كما أن نجاحه يرتبط بدرجة الوعي المجتمعي بمفهوم النشر المسؤول، وإدراك المستخدمين أن ما يُكتب أو يُنشر في العالم الرقمي قد يترك آثارًا حقيقية على الأفراد والمؤسسات والوطن بأكمله.

لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع فرصة غير مسبوقة للتعبير وإيصال الصوت، وهي ميزة مُهمة ينبغي الحفاظ عليها لكن هذه الحرية تزداد قيمة عندما تقترن بالمسؤولية، وتتحول إلى أداة للبناء لا للهدم، ولتعزيز الوعي لا لنشر الفوضى وبين الحرية والمسؤولية تبقى الحاجة قائمة إلى ثقافة رقمية ناضجة تجعل من الكلمة وسيلة للإصلاح والحوار، لا سببًا للخلاف أو الإضرار بالآخرين. ويجب أن يدرك الجميع أن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، وأن الكلمة الواعية تبقى أقوى تأثيرًا وأطول عمرًا من أي منشور يبحث عن الإثارة أو الجدل المؤقت.

وفي الختام، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يقيد القانون حرية التعبير؟ بل: كيف يمكن أن نمارس هذه الحرية بما يحفظ حقوق الجميع ويصون استقرار المجتمع وقيمه في عصر أصبحت فيه الكلمة الواحدة قادرة على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال لحظات؟

الأكثر قراءة

z