الحزم.. موطن وذاكرة ممتدة

صالح الغافري

 

 

الحَزْم في ولاية الرستاق ليست مجرد بلدة. بل ذاكرة مُمتدة وكيان عريق. حصنها الشامخ الذي شُيّد عام 1711م في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي ظل حاضرًا رمزًا للحكم ومركزًا إداريًا. وفي عهد اليَعاربة كان دليلًا على بناء الدولة وترسيخ قوتها. ثم استمر في عهد البوسعيد محافظًا على مكانته كرمز للحكم والإدارة. ليبقى أثرًا حيًا يروي امتداد العصور وتحولات المكان. 

من تضاريس الحَزْم ظهرت الرملة بامتدادها الرملي. والحارة بصخورها الصلبة التي احتضنت الحصن. وبينهما طريق الظهرة الذي شكّل شريانًا للحركة وربط بين الجانبين. 

وفي القيظ كان الأهالي يرتحلون إلى مواقع المقيضة. تبدأ من العافية والميحة والمغدر. ثم إلى المقصورة ونهر. وبعدها جنور الشوير والظاهر والروضة وصُوار الحوش والجناة وجرام والفتح والبصرة. لتكتمل لوحة الحياة اليومية. 

وفي موسم القيظ تتم مرحلة الخراف والجداد. حيث تُجمع العذوق الممتلئة بالبسر. ثم تبدأ التركبة ويطبخ بسر المبسلي في مراجل نحاسية ليتحول إلى الفاغور. ومن ثم يُفرش على المساطيح تحت شمس يوليو. وبين أصوات العازي واللال يتحول العمل إلى احتفال جماعي يرسخ روح التعاون. ومع انتهاء صيف الجداد والتبسيل يعود الأهالي في الشتاء إلى الحارة. حيث البيوت الطينية والدفء الاجتماعي. هناك يجتمعون في ظل الحصن ويتسامرون جلوسًا على الرضف المتصل بسوره. في جوٍّ يحصدون فيه المحاصيل الموسمية ويستعيدون إيقاع الحياة اليومية بين الأسواق والمساجد والأفلاج. 

وعند انحناء الشمس نحو المغيب يعود الأهالي من المزارع وقد أنهكهم العمل وملأهم الرضا. فيما الأفلاج تجري كأنها تبارك جهدهم وتغسل تعب النهار. ويظل وكيل الفلج وحُرّاس الحصن في مواقعهم يحفظون النظام ويصونون الأمان. وفي أمسياتهم يتبادلون الأحاديث والقصص. لتبقى الحارة فضاءً للدفء الاجتماعي والتواصل الإنساني. 

أما فلج الحَزْم الداودي، وشهرته التيّار لشدته وغزارته، فينبع من الجبال وينساب عبر القرى. متنقلًا بين عامد الظهرة وسبأ وعامد الغوج وصُوار الروضة وصُوار الحوش وصُوار الخضراء وصُوار الرملة وصُوار البلوش. ومع كل انتقال من صُوار إلى آخر. كان الماء يحمل معه حياةً جديدة. ويجمع الأهالي على التعاون والعدل في اقتسامه. وهنا يبرز دور وكيل الفلج الذي ينظم سير الماء ويضمن العدالة بين الجميع. ليصبح الفلج ليس مجرد مجرى ماء. بل شريانًا اجتماعيًا وروحيًا يربط الناس بأرضهم ووطنهم. ويغرس فيهم قيم التكافل والانتماء. 

وتتكامل مسميات الحَزْم لتشكّل خريطة حياة نابضة؛ ففي المقصورة تتوزع البنجلة والوقبة والغوج. أما نهر فيشتهر بالليمون والسمسم والعنب. وفي صُوار الحوش حيث البرج القديم والطوي والجَفره والجناه. يطل المكان بين النخيل في صورة أصيلة تجمع بين التاريخ والطبيعة. وكأنها لوحة تحفظ ذاكرة المكان وتروي حكايات أهله. وفي سبأ تتزين الأرض بأفضل أصناف الخرائف. وفي البصرة يتجدد حضور الليمون وتزدان بسدر النبق. وفي صرم المبسلي أجود نخيل نغال الويف. أما القتوت فهي أرض البرسيم. كما تُعرف بعدة مواقع منها البحرين والملدة وجرام. وفي البستان والفتح حيث الورود وعبق الزهور. لتضيف إلى الحَزْم ذاكرة مكانية غنية ومتنوعة. 

والمساجد في الحَزْم تشكّل ذاكرة حيّة. مسجد الغربي بجوار الحصن وهو أشبه بجامع البياضة في ولاية الرستاق. ومسجد الظهرة المرتبط بالمزارع. ومسجد الشرقي بالحارة قلب الحياة. وبجواره شجرة السوقمه الكبيرة التي كانت ملتقى للأهالي. يجتمعون تحت ظلها في المناسبات والأفراح. وخاصة في أيام الأعياد حيث تُقام الفنون الشعبية للبلدة. لتكون رمزًا اجتماعيًا يربط الناس بالمسجد والحارة. ومسجد الرملة بحلّته الجديدة. وفي مسجد الحصن ومسجد الشرقي كانت مدارس القرآن الكريم منارات للعلم والروح. كما احتضن الحصن نفسه مدرسة للقرآن الكريم. ليبقى شاهدًا على الجمع بين الكتاب والسيف في حياة الأهالي. 

اليوم.. تغيّرت ملامح الحَزْم إلى مدينة حديثة. امتدت المباني وتوسعت الطرق. وبقيت المسميات القديمة شاهدة على التاريخ. ومع التوسع العمراني لم تعد الحَزْم مقتصرة على الرملة والحارة. بل أصبحت مسميات لمراحل متعددة من نمو البلدة. ويظل التحدي في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية التراثية وتلبية متطلبات العصر. عبر المرافق العامة والحدائق وإحياء البيوت الطينية وتحويلها إلى مزارات سياحية وتجارية. ومن أبرز المبادرات إعادة إحياء المسميات القديمة في الأحياء والطرقات. ووضع لوحات تعريفية تحمل تاريخ كل موقع. لتبقى الذاكرة حاضرة في وجدان الأهالي والزوار. 

ومن هذا الامتداد بين الماضي والحاضر تتجلى قيمة الحَزْم كذاكرة وطنية وكنز حضاري لا يقدّر بثمن. إن الحفاظ عليها ليس مجرد واجب ثقافي. بل هو حفاظ على الهوية العُمانية التي تتوارثها الأجيال. والاهتمام بها هو الطريق لضمان استمرار هذه الهوية حيّة وفاعلة في وجدان الناس. فحين نهتم بالحَزْم. فإننا نهتم بتاريخ عُمان وروحها. ونمنح الأجيال القادمة إرثًا أصيلًا يضيء حاضرهم ويصون مستقبلهم. ليبقى الاهتمام بالحَزْم أولوية وطنية وذاكرة إنسانية لا تنطفئ.

الأكثر قراءة

z