صالح الغافري
الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها وإنما هو ذاكرة وكرامة ودماء سالت لتبقى عزيزة. وعُمان هي ذلك الوطن الذي حمل عبر التاريخ معنى الوفاء والصبر والكرامة وهي الأرض التي لا تباع ولا تشترى وهي الركيزة التي تمنح عُمانيتنا معنى ووجودًا.
الهجرة في الماضي كانت بحثاً عن الرزق وسعياً للبقاء وكان الأجداد يحملون صورة عُمان في قلوبهم ويعودون إليها بما جمعوه من خير وتجارب فلا ينسون أصلهم ولا يفرطون في هويتهم. أما اليوم فقد تغيرت الصورة فصار البعض يهرب من ذاته قبل أن يهرب من أرضه ويظن أن الغربة مخرج سريع من أزماته ويفتكر أنه قادر على فرض شروطه على وطنه لكنه يكتشف أن الألم يتضاعف حين يضاف إليه شعور الغربة وأن الوطن لا يُعالج من بعيد وإنما يبنى بالصبر والعمل من الداخل.
خيانة الذات ليست مجرد هروب من المسؤولية وإنما هي انكسار داخلي ينعكس سلباً على الوطن. ومن خان ذاته فقد خان أصله قبل أن يخون أرضه. وللأسف هناك من استسلم وباع هويته واعتبر نفسه خنجرا في خاصرة وطنه. ألا يعلم أن الخنجر العُمانية هي الصوت الصامت الذي يعلن هيبة العُماني وكرامته أمام العالم وأن تحويله إلى أداة طعن هو خيانة مضاعفة للوطن وللرمز وللتاريخ. ومن جعل نفسه خنجرا مسموما في خاصرة وطنه فقد طعن ذاته قبل أن يطعن أرضه وخسر المعنى الذي يمنح الإنسان كرامته. قال تعالى "وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا" (النساء: 66).
ومن هنا يبرز السؤال المؤلم كيف هانت عليهم عُمان ورموزها وكيف غابت عن قلوبهم صورة الأرض التي حملت معنى الوفاء والصبر والكرامة. ألا يتذكرون سنوات عمرهم بين أهلهم وهم ينعمون بالسكينة والطمأنينة وألا يتذكرون صباحات المدارس حين كانوا يقفون احتراما لتحية العلم وألا يتذكرون نشيد الوطن الذي كانوا ينشدونه بأصواتهم في ساحات التعليم وألا يتذكرون ذلك الشعور بالفخر حين يرتفع العلم عالياً أمام أعينهم. من فقد ذاكرته فقد وطنه ومن باع رموزه باع نفسه قبل أن يبيع أرضه. عُمان لا تهون إلا على من هان على نفسه ولا تباع إلا عند من فقد الأصل الذي يمنح الإنسان هويته.
وليس الاغتراب عن الوطن وحده هو الخطر وإنما أيضاً الاغتراب عن الأسرة حين يترك بعض الآباء أبناءهم وكأنَّ المسؤولية عبء لا يحتمل فنرى أبناء يخجلون من ذكر آبائهم وكأنهم بلا أصل ولا سند. هذا الانقلاب في الأدوار يكشف عن تفكك الهوية حيث يبدأ الفرد في إنكار أصله بدلا من الاعتزاز به ومن أنكر أصله فقد أنكر نفسه.
النقد والحرية قيم نبيلة لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى سلاح للهدم أو وسيلة للتجريح. نحن بحاجة إلى نقد مسؤول يفتح أبواب الإصلاح وإلى حرية واعية تحفظ الكرامة لا إلى كلمات مسمومة تجرح وتفتت؛ فالكلمة حين تفقد مسؤوليتها لا تجرح الوطن وحده وإنما تمتد لتصيب الأهل والجماعة وتترك أثرًا في سمعة الأسرة وكرامة البيت ليصبح النقد والتجريح عبئا يثقل القلوب قبل أن يثقل الأوطان.
ومع ذلك تبقى الأسرة هي الأصل الذي يعكس سلوك الفرد ويبقى الأهل مكرمين مهما فعل الأبناء لكن على الفرد أن يتذكر أن سلوكه ينعكس على سمعتهم وأن الكلمة قد تجرح أكثر من الفعل. والوطن لا يخذل أبناءه لكن أبناءه قد يخذلونه ومن باع وطنه فقد باع نفسه وخسر كل شيء.
عُمان لا تباع ولا تشترى فهي الكرامة التي نحملها والذاكرة التي تحفظنا والركيزة التي تمنحنا معنى وكيانًا. فمن أحب وطنه نقده بحب ومن خانه خسر نفسه قبل أن يخسر الآخرين.
ومن جرب السفر عن وطنه يظل قلبه يحن إلى العودة فأين الحنين للوطن ولماذا تتحول الغربة أحياناً إلى عداوة بدل أن تكون جسرا للرجوع. ومهما ابتعد الإنسان عن وطنه فإن العودة ممكنة والإصلاح يبدأ من لحظة إدراك أن الأرض هي الأصل والذاكرة والكرامة. والوطن يفتح أبوابه لمن يعود إليه بصدق فهو الحضن الذي لا يغلق قلبه أمام أبنائه مهما ابتعدوا أو أخطأوا. قال تعالى "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا" (البقرة: 126)؛ فالعودة ليست رجوعا إلى الأرض وإنما الرجوع إلى الذات والهوية.
