صالح الغافري
المجتمع بلا تكافل كبيت بلا جدران ينهار عند أول ريح ويهتز عند أول عاصفة. إن قوة الأمم لا تقاس بما تملك من ثروات إنما بما تمنح من رحمة، ولا بما تجمع من أموال إنما بما تزرع في قلوب أبنائها من دفء وأمان. قال الله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ" (المائدة:2)، وجاء في الحديث الشريف: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؛ فالمجتمع الحق جسد واحد، إذا ضعف طرف منه شده الآخر، وإذا احتاج عضو منه أغاثه الباقي.
قلة الحيلة ليست عيبًا في صاحبها إنما امتحان لنا نحن، هل نكون له سندًا أم نتركه في وحدته. وكم من باحث عن عمل يطرق الأبواب فلا يجد من يفتح له، وكم من أسرة متعففة تخفي حاجتها عن العيون، وكم من أب لأسرة لا يريد أن ينظر إليه بعين الشفقة فيداري حاجته بصمت ثقيل، وكم من أم تخفي دموعها عن صغارها، وكم من يتيم يمد يده فلا يجد من يمسك بها. هذه المشاهد تعلمنا أن التكافل ليس شعارًا يرفع ولا دعاية تذاع، إنما هو فعل صادق يمارس في الخفاء قبل العلن، وهو في جوهره عبادة تقربنا إلى الله وواجب يعيد للإنسان إنسانيته.
الغنى بلا عطاء فقر، والقوة بلا رحمة ضعف، والوفرة بلا مشاركة قحط، واليد التي تمسك عن البذل يد جامدة وإن امتلأت بالمال. فما أجمل أن يتحول الصمت إلى كلمة، والغفلة إلى يقظة، والادعاء إلى عطاء، والرياء إلى صفاء. تلك هي الأعمال التي تثبت صدق الإيمان وتعيد للإنسان إنسانيته، وتقدس الحياة قبل أن تقدس الموت.
وهنا يأتي دور الحكومة السند التي تقيم مؤسسات الدعم وتفتح أبواب المساعدة، وتذكرنا أن المسؤولية ليست حكومية فحسب إنما هي واجب جماعي يبدأ من الفرد وينتهي بالمجتمع كله. فالحكومة تمد اليد، والمجتمع يكمل العطاء، لتكتمل صورة الرحمة التي أرادها الله لعباده، ويغدو الناس شركاء في الخير لا متفرجين على الألم.
والقطاع الخاص بما فيه المؤسسات الكبرى ليس مجرد قوة اقتصادية إنما هو قوة إنسانية حين يوجه خدماته إلى المواطن نفسه. فالمسؤولية الاجتماعية لا تقاس برعاية المناسبات أو دعم المؤسسات فقط، إنما بما يقدم للفرد من تعليم وصحة وسكن وفرص عمل، وبما يعينه في أثقل ما يحمله وهو الدين. فكم من إنسان يعيش بوجه مبتسم وقلب مثقل، يخفي عجزه عن أعين الناس، ويكابد همًا لا يزول إلا إذا وجد من يعينه على قضاء دينه. إن المؤسسة التي تساعد المواطن على تجاوز دينه لا تمنحه مالًا فحسب، إنما تمنحه حياة جديدة وكرامة مستعادة، وبذلك تنمي المجتمع كله من جذوره.
نحلم بمجتمع ينهض بلا أعباء، ويسير بلا قيود، ويعيش بلا ديون تثقل القلوب قبل أن تثقل الجيوب. نحلم بشعب يفتح أبوابه للغد وهو مطمئن، لا يخشى حسابًا مؤجلًا ولا عبئًا متراكمًا، لأن التكافل قد سد الحاجة، والرحمة قد غلبت العوز، والعطاء قد محا العجز. ذلك هو الحلم الذي يكتب في القلوب قبل أن يكتب في الأوراق، حلم وطن قوي بالإنسان قبل أن يكون قويًا بالأرقام.
لنفتح القلوب قبل الأبواب، ولنمد الأيدي قبل الكلمات، ولنزرع الأمل قبل أن يذبل الرجاء. فما قيمة قوة بلا رحمة، أو مال بلا مشاركة، أو حياة بلا تكافل. إن الإنسان لا يقاس بما يملك إنما بما يمنح، ولا بما يجمع إنما بما يترك من أثر في حياة الآخرين.
الحياة قصيرة والفرص فيها محدودة، فلنسارع إلى الخير قبل أن يسارع إلينا الفناء، ولنقدم الوفاء للأحياء قبل أن نفيض بالدموع على الأموات. فمن وهب الحياة دفئًا كتب اسمه في سجل الخلود، ومن بخل بالعطاء كتب اسمه في هامش النسيان.
نسأل الله أن يجعلنا جميعًا من أهل التكافل والرحمة، وأن يكتب لنا الأجر في كل يد مددناها، وكل قلب أحييناه، وكل دين قضيناه عن محتاج.
ومع نفحات الإيمان في هذه الأيام المباركة، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وعلى الشعب العُماني وجميع المقيمين على تراب هذا الوطن، وإلى أمتنا العربية والإسلامية جمعاء، بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك. أعاده الله علينا جميعًا بالخير واليمن والبركات، وجعل أيامنا عامرة بالطاعة، وقلوبنا مفعمة بالرحمة، وأعمالنا شاهدة لنا لا علينا. وبذلك يكتمل المشهد، تكافل يحيي القلوب، وإيمان يضيء الدروب، وعيد يجمعنا على المحبة والوحدة.
